فهرس الكتاب

الصفحة 2578 من 6606

وإذا ثبت هذا فكيف يمكن أن يرضى إبليس بذلك المذهب مع علمه بكونه ضلالًا وغواية وبكونه مضادًا للدين الحق ومنافيًا للصراط المستقيم فإن المرء إنما يعتقد الفاسد إذا غلب على ظنه كونه حقًا فأما مع العلم بأنه باطل وضلال وغواية يستحيل أن يختاره ويرضى به ويعتقده

واعلم أن من الناس من قال أن كفر إبليس كفر عناد لا كفر جهل لأنه متى علم أن مذهبه ضلال وغواية فقد علم أن ضده هو الحق فكان إنكاره إنكارًا بمحض اللسان فكان ذلك كفر عناد ومنهم من قال لا بل كفره كفر جهل وقوله فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى وقوله لاقْعُدَنَّ لَهُمْ الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ يريد به في زعم الخصم وفي اعتقاده والله أعلم

المسألة الخامسة احتج أصحابنا بهذه الآية في بيان أنه لا يجب على الله رعاية مصالح العبد في دينه ولا في دنياه وتقريره أن إبليس استمهل الزمان الطويل فأمهله الله تعالى ثم بين أنه إنما استمهله لإغواء الخلق وإضلالهم وإلقاء الوساوس في قلوبهم وكان تعالى عالمًا بأن أكثر الخلق يطيعونه ويقبلون وسوسته كما قال تعالى وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مّنَ الْمُؤْمِنِينَ ( سبأ 20 ) فثبت بهذا أن إنظار إبليس وإمهاله هذه المدة الطويلة يقتضي حصول المفاسد العظيمة والكفر الكبير فلو كان تعالى مراعيًا لمصالح العباد لامتنع أن يمهله وإن يمكنه من هذه المفاسد فحيث أنظره وأمهله علمنا أنه لا يجب عليه شيء من رعاية المصالح أصلًا ومما يقوي ذلك أنه تعالى بعث الأنبياء دعاة إلى الخلق وعلم من حال إبليس أنه لا يدعو إلا إلى الكفر والضلال ثم إنه تعالى أمات الأنبياء الذين هم الدعاة للخلق وأبقى إبليس وسائر الشياطين الذين هم الدعاة للخلق إلى الكفر والباطل ومن كان يريد مصالح العباد امتنع منه أن يفعل ذلك قالت المعتزلة اختلف شيوخنا في هذه المسألة فقال الجبائي إنه لا يختلف الحال بسبب وجوده وعدمه ولا يضل بقوله أحد إلا من لو فرضنا عدم إبليس لكان يضل أيضًا والدليل عليه قوله تعالى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ( الصافات 162 163 ) ولأنه لو ضل به أحد لكان بقاؤه مفسدة وقال أبو هاشم يجوز أن يضل به قوم ويكون خلقه جاريًا مجرى خلق زيادة الشهوة فإن هذه الزيادة من الشهوة لا توجب فعل القبيح إلا أن الامتناع منها يصير أشق ولأجل تلك الزيادة من المشقة تحصل الزيادة في الثواب فكذا ههنا بسبب إبقاء إبليس يصير الامتناع من القبائح أشد وأشق ولكنه لا ينتهي إلى حد الإلجاء والإكراه

والجواب أما قول أبي علي فضعيف وذلك لأن الشيطان لا بد وأن يزين القبائح في قلب الكافر ويحسنها إليه ويذكره ما في القبائح من أنواع اللذات والطيبات ومن المعلوم أن حال الإنسان مع حصول هذا التذكير والتزيين لا يكون مساويًا لحاله عند عدم هذا التذكير وهذا التزيين والدليل عليه العرف فإن الإنسان إذا حصل له جلساء يرغبونه في أمر من الأمور ويحسنونه في عينه ويسهلون طريق الوصول إليه ويواظبون على دعوته إليه فإنه لا يكون حاله في الإقدام على ذلك الفعل كحاله إذا لم يوجد هذا التذكير والتحسين والتزيين والعلم به ضروري وأما قول أبي هاشم فضعيف أيضًا لأنه إذا صار حصول هذا التذكير والتزيين حاصلًا للمرء على الإقدام على ذلك القبيح كان ذلك سعيًا في إلقائه في المفسدة وما ذكره من خلق الزيادة في الشهوة فهو حجة أخرى لنا في أن الله تعالى لا يراعي المصلحة فكيف يمكنه أن يحتج

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت