فهرس الكتاب

الصفحة 2579 من 6606

به والذي يقرره غاية التقرير أن لسبب حصول تلك الزيادة في الشهوة يقع في الكفر وعقاب الأبد ولو احترز عن تلك الشهوة فغايته أنه يزداد ثوابه من الله تعالى بسبب زيادة تلك المشقة وحصول هذه الزيادة من الثواب شيء لا حاجة إليه ألبتة إما دفع العقاب المؤبد فإليه أعظم الحاجات فلو كان إله العالم مراعيًا لمصالح العباد لاستحال أن يهمل الأهم الأكمل الأعظم لطلب الزيادة التي لا حاجة إليها ولا ضرورة فثبت فساد هذه المذاهب وأنه لا يجب على الله تعالى شيء أصلًا والله أعلم بالصواب

أما قوله تعالى ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ففيه مسائل

المسألة الأولى في ذكر هذه الجهات الأربع قولان

القول الأول أن كل واحد منها مختص بنوع من الآفة في الدين والقائلون بهذا القول ذكروا وجوهًا أحدها ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ يعني أشككهم في صحة البعث والقيامة وَمِنْ خَلْفِهِمْ ألقى إليهم أن الدنيا قديمة أزلية وثانيها ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ والمعنى أفترهم عن الرغبة في سعادات الآخرة وَمِنْ خَلْفِهِمْ يعني أقوى رغبتهم في لذات الدنيا وطيباتها وأحسنها في أعينهم وعلى هذين الوجهين فالمراد من قوله بَيْنِ أَيْدِيهِمْ الآخرة لأنهم يردون عليها ويصلون إليها فهي بين أيديهم وإذا كانت الآخرة بين أيديهم كانت الدنيا خلفهم لأنهم يخلفونها وثالثها وهو قول الحاكم والسدي مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ يعني الدنيا وَمِنْ خَلْفِهِمْ الآخرة وإنما فسرنا بَيْنِ أَيْدِيهِمْ بالدنيا لأنها بين يدي الإنسان يسعى فيها ويشاهدها وأما الآخرة فهي تأتي بعد ذلك ورابعها مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ في تكذيب الأنبياء والرسل الذين يكونون حاضرين وَمِنْ خَلْفِهِمْ في تكذيب من تقدم من الأنبياء والرسل

وأما قوله وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ففيه وجوه أحدها عَنْ أَيْمَانِهِمْ في الكفر والبدعة وَعَن شَمَائِلِهِمْ في أنواع المعاصي وثانيها عَنْ أَيْمَانِهِمْ في الصرف عن الحق وَعَن شَمَائِلِهِمْ في الترغيب في الباطل وثالثها عَنْ أَيْمَانِهِمْ يعني أفترهم عن الحسنات وَعَن شَمَائِلِهِمْ أقوى دواعيهم في السيئات قال ابن الأنباري وقول من قال الإيمان كناية عن الحسنات والشمائل عن السيئات قول حسن لأن العرب تقول اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك يريد اجعلني من المقدمين عندك ولا تجعلني من المؤخرين وروى أبو عبيد عن الأصمعي أنه يقال هو عندنا باليمين أي بمنزلة حسنة وإذا خبثت منزلته قال أنت عندي بالشمال فهذا تلخيص ما ذكره المفسرون في تفسير هذه الجهات الأربع أما حكماء الإسلام فقد ذكروا فيها وجوهًا أخرى أولها وهو الأقوى الأشرف أن في البدن قوى أربعًا هي الموجبة لقوات السعادات الروحانية فإحداها القوة الخالية التي يجتمع فيها مثل المحسوسات وصورها وهي موضوعة في البطن المقدم من الدماغ وصور المحسوسات إنما ترد عليها من مقدمها وإليه الإشارة بقوله مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ

والقوة الثانية القوة الوهمية التي تحكم في غير المحسوسات بالأحكام المناسبة للمحسوسات وهي موضوعة في البطن المؤخر من الدماغ وإليها الإشارة بقوله وَمِنْ خَلْفِهِمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت