فهرس الكتاب
اعلم أن إبليس لما وعد بالإفساد الذي ذكره خاطبه الله تعالى بما يدل على الزجر والإهانة فقال أَخْرَجَ مِنْهَا من الجنة أو من السماء مذؤومًا قال الليث ذأمت الرجل فهو مذؤم أي محقور والذام الاحتقار وقال الفراء ذأمته إذا عبته يقولون في المثل لا تعدم الحسناء ذامًا وقال ابن الأنباري المذؤم المذموم قال ابن قتيبة مذؤمًا مذمومًا بأبلغ الذم قال أمية وقال لإبليس رب العباد
أن اخرج دحيرًا لعينًا ذؤما
وقوله مَذْمُومًا مَّدْحُورًا الدحر في اللغة الطرد والتبعيد يقال دحره دحرًا ودحورًا إذا طرده وبعده ومنه قوله تعالى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلّ جَانِبٍ دُحُورًا ( الصافات 8 9 ) وقال أمية وبإذنه سجدوا لآدم كلهم
إلا لعينًا خاطئًا مدحورًا
وقوله لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ اللام فيه لام القسم وجوابه قوله لاَمْلاَنَّ قال صاحب ( الكشاف ) روى عصمة عن عاصم لَّمَن تَبِعَكَ بكسر اللام بمعنى لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ هذا الوعيد وهو قوله لامْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ وقيل إن لأملأن في محل الابتداء وَلَمَنِ تَبِعَكَ خبره قال أبو بكر الأنباري الكناية في قوله لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ عائد على ولد آدم لأنه حين قال وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ( الأعراف 11 ) كان مخاطبًا لولد آدم فرجعت الكناية إليهم قال القاضي دلت هذه الآية على أن التابع والمتبوع معنيان في أن جهنم تملأ منهما ثم أن الكافر تبعه فكذلك الفاسق تبعه فيجب القطع بدخول الفاسق النار وجوابه أن المذكور في الآية أنه تعالى يملأ جهنم ممن تبعه وليس في الآية أن كل من تبعه فإنه يدخل جهنم فسقط هذا الاستدلال ونقول هذه الآية تدل على أن جميع أصحاب البدع والضلالات يدخلون جهنم لأن كلهم متابعون لإبليس والله أعلم
وَيَاأادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّة َ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَاذِهِ الشَّجَرَة َ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ
اعلم أن هذه الآية مشتملة على مسائل أحدها أن قوله اسْكُنْ أمر تعبد أو أمر إباحة وإطلاق من حيث إنه لا مشقة فيه فلا يتعلق به التكليف وثانيها أن زوج آدم هو حواء ويجب أن نذكر أنه تعالى كيف خلق حواء وثالثها أن تلك الجنة كانت جنة الخلد أو جنة من جنان السماء أو جنة من جنان الأرض ورابعها أن قوله فَكُلاًّ أمر إباحة لا أمر تكليف وخامسها أن قوله وَلاَ تَقْرَبَا نهي تنزيه أو نهي تحريم وسادسها أن قوله هَاذِهِ الشَّجَرَة ِ المراد شجرة واحدة بالشخص أو النوع وسابعها أن تلك الشجرة أي شجرة كانت وثامنها أن ذلك الذنب كان صغيرًا أو كبيرًا وتاسعها أنه ما المراد من قوله فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ وهل يلزم من كونه ظالمًا بهذا القربان الدخول تحت قوله تعالى أَلاَ لَعْنَة ُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( هود 18 ) وعاشرها أن هذه الواقعة وقعت قبل نبوة آدم عليه السلام أو بعدها فهذه المسائل العشرة قد سبق تفصيلها وتقريرها في سورة البقرة فلا نعيدها والذي بقي علينا من هذه الآية حرف واحد