فهرس الكتاب
وقيل هو العفاف والتوحيد لأن المؤمن لا تبدو عورته وإن كان عاريًا من الثياب والفاجر لا تزال عورته مكشوفة وإن كان كاسيًا وقال معبدهو الحياء وقيل هو ما يظهر على الإنسان من السكينة والإخبات والعمل الصالح وإنما حملنا لفظ اللباس على هذه المجازات لأن اللباس الذي يفيد التقوى ليس إلا هذه الأشياء أما قوله ذالِكَ خَيْرٌ قال أبو علي الفارسي معنى الآية وَلِبَاسُ التَّقْوَى خَيْرٌ ( الأعراف 26 ) لصاحبه إذا أخذ به وأقرب له إلى الله تعالى مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به قال وأضيف اللباس إلى التقوى كما أضيف إلى الجوع في قوله فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ( النحل 112 ) وقوله ذالِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ معناه من آيات الله الدالة على فضله ورحمته على عباده يعني إنزال اللباس عليهم لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ فيعرفون عظيم النعمة فيه
يَابَنِى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّة ِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ
اعلم أن المقصود من ذكر قصص الأنبياء عليهم السلام حصول العبرة لمن يسمعها فكأنه تعالى لما ذكر قصة آدم وبين فيهاشدة عداوة الشيطان لآدم وأولاده أتبعها بأن حذر أولاد آدم من قبول وسوسة الشيطان فقال يَذَّكَّرُونَ يَابَنِى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الْجَنَّة ِ وذلك لأن الشيطان لما بلغ أثر كيده ولطف وسوسته وشدة اهتمامه إلى أن قدر على إلقاء آدم في الزلة الموجبة لإخراجه من الجنة فبأن يقدر على أمثال هذه المضار في حق بني آدم أولى فبهذا الطريق حذر تعالى بني آدم بالاحتراز عن وسوسة الشيطان فقال لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ فيترتب عليه أن لا تدخلوا الجنة كما فتن أبويكم فترتب عليه خروجهما منها وأصل الفتون عرض الذهب على النار وتخليصه من الغش ثم أتى في القرآن بمعنى المحنة وههنا بحثان
البحث الأول قال الكعبي هذه الآية حجة على من نسب خروج آدم وحواء وسائر وجوه المعاصي إلى الشيطان وذلك يدل على أنه تعالى بريء منها فيقال له لم قلتم أن كون هذا العمل منسوبًا إلى الشيطان يمنع من كونه منسوبًا إلى الله تعالى ولم لا يجوز أن يقال إنه تعالى لما خلق القدرة والداعية الموجبتين لذلك العمل كان منسوبًا إلى الله تعالى ولما أجرى عادته بأنه يخلق تلك الداعية بعد تزيين الشيطان وتحسينه تلك الأعمال عند ذلك الكافر كان منسوبًا إلى الشيطان
البحث الثاني ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما أخرج آدم وحواء من الجنة عقوبة لهما على تلك الزلة وظاهر قوله إِنّى جَاعِلُكَ فِى الارْضِ خَلِيفَة ً ( البقرة 30 ) يدل على أنه تعالى خلقهما لخلافة الأرض وأنزلهما من الجنة إلى الأرض لهذا المقصود فكيف الجمع بين الوجهين