فهرس الكتاب
زمانكم وهذا يشعر بأنه تعالى لا يدخل الكفار بأجمعهم في النار دفعة واحدة بل يدخل الفوج بعد الفوج فيكون فيهم سابق ومسبوق ليصح هذا القول ويشاهد الداخل من الأمة في النار من سبقها وقوله كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّة ٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا والمقصود أن أهل النار يلعن بعضهم بعضًا فيتبرأ بعضهم من بعض كما قال تعالى الاْخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ ( الزخرف 67 ) والمراد بقوله أُخْتَهَا أي في الدين والمعنى أن المشركين يلعنون المشركين وكذلك اليهود تلعن اليهود والنصارى النصارى وكذا القول في المجوس والصابئة وسائر أديان الضلالة وقوله حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا أي تداركوا بمعنى تلاحقوا واجتمعوا في النار وأدرك بعضهم بعضًا واستقر معه قَالَتْ أُولَاهُمْ لاِخْرَاهُمْ وفيه مسألتان
المسألة الأولى في تفسير الأولى والأخرى قولان الأول قال مقاتل أخراهم يعني آخرهم دخولًا في النار لأولاهم دخولًا فيها والثاني أخراهم منزلة وهم الأتباع والسفلة لأولاهم منزلة وهم القادة والرؤساء
المسألة الثانية ( اللام ) في قوله لاِخْرَاهُمْ لام أجل والمعنى لأجلهم ولإضلالهم إياهم قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلآء أَضَلُّونَا ( الأعراف 38 ) وليس المراد أنهم ذكروا هذا القول لأولاهم لأنهم ما خاطبوا أولاهم وإنما خاطبوا الله تعالى بهذا الكلام
أما قوله تعالى رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فالمعنى أن الأتباع يقولون إن المتقدمين أضلونا واعلم أن هذا الإضلال يقع من المتقدمين للمتأخرين على وجهين أحدهما بالدعوة إلى الباطل وتزيينه في أعينهم والسعي في إخفاء الدلائل المبطلة لتلك الأباطيل
والوجه الثاني بأن يكون المتأخرون معظمين لأولئك المتقدمين فيقلدونهم في تلك الأباطيل والأضاليل التي لفقوها ويتأسون بهم فيصير ذلك تشبيهًا بإقدام أولئك المتقدمين على الإضلال
ثم حكى الله تعالى عن هؤلاء المتأخرين أنهم يدعون على أولئك المتقدمين بمزيد العذاب وهو قوله قَالَ ادْخُلُواْ فِى أُمَمٍ قَدْ وفي الضعف قولان
القول الأول قال أبو عبيدة ( الضعف ) هو مثل الشيء مرة واحدة وقال الشافعي رحمه الله ما يقارب هذا فقال في رجل أوصى فقال اعطوا فلانًا ضعف نصيب ولدي قال يعطي مثله مرتين
والقول الثاني قال الأزهري ( الضعف ) في كلام العرب المثل إلى ما زاد وليس بمقصور على المثلين وجائز في كلام العرب أن تقول هذا ضعفه أي مثلاه وثلاثة أمثاله لأن الضعف في الأصل زيادة غير محصورة والدليل عليه قوله تعالى فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ ( سبأ 37 ) ولم يرد به مثلًا ولا مثلين بل أولى الأشياء به أن يجعل عشرة أمثاله لقوله تعالى مَن جَاء بِالْحَسَنَة ِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ( الأنعام 160 ) فثبت أن أقل الضعف محصور وهو المثل وأكثره غير محصور إلى ما لا نهاية له
وأما مسألة الشافعي رحمه الله فاعلم أن التركة متعلقة بحقوق الورثة إلا أنا لأجل الوصية صرفنا طائفة منها إلى الموصى له والقدر المتيقن في الوصية هو المثل والباقي مشكوك فلا جرم أخذنا المتيقن وطرحنا المشكوك فلهذا السبب حملنا الضعف في تلك المسألة على المثلين