فهرس الكتاب
ذلك الفعل وتحصيله قالوا وأيضًا إذا ثبت هذا الأصل ظهر أن الاستطاعة قبل الفعل إذ لو كانت حاصلة مع الفعل والكافر لا قدرة له على الإيمان مع أنه مأمور به فكان هذا تكليف ما لا يطاق ولما دلت هذه الآية على نفي التكليف بما لا يطاق ثبت فساد هذين الأصلين
والجواب أنا نقول وهذا الإشكال أيضًا وارد عليكم لأنه تعالى يكلف العبد بإيجاد الفعل حال استواء الدواعي إلى الفعل والترك أو حال رجحان أحد الداعيين على الآخر والأول باطل لأن الإيجاد ترجيح لجانب الفعل وحصول الترجيح حال حصول الاستواء محال والثاني باطل لأن حال حصول الرجحان كان الحصول واجبًا فإن وقع الأمر بالطرف الراجح كان أمرًا بتحصيل الحاصل وإن وقع بالطرف المرجوح كان أمراف بتحصيل المرجوح حال كونه مرجوحًا فيكون أمرًا بالجمع بين النقيضين وهو محال فكل ما تجعلونه جوابًا عن هذا السؤال فهو جوابنا عن كلامكم والله أعلم
وأما قوله تعالى وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ فاعلم أن نزع الشيء قلعه عن مكانه والغل العقد قال أهل اللغة وهو الذي يغل بلطفه إلى صميم القلب أي يدخل ومنه الغلول وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة ويقال انغل في الشيء وتغلغل فيه إذا دخل فيه بلطافة كالحب يدخل في صميم الفؤاد
إذا عرفت هذا فنقول لهذه الآية تأويلان
القول الأول أن يكون المراد أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا ومعنى نزع الغل تصفية الطباع وإسقاط الوساوس ومنعها من أن ترد على القلوب فإن الشيطان لما كان في العذاب لم يتفرغ لإلقاء الوساوس في القلوب وإلى هذا المعنى أشار علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ
والقول الثاني أن المراد منه أن درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقصان فالله تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى أن صاحب الدرجة النازلة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة قال صاحب ( الكشاف ) هذا التأويل أولى من الوجه الأول حتى يكون هذا في مقابلة ما ذكره الله تعالى من تبري بعض أهل النار من بعض ولعن بعضهم بعضًا ليعلم أن حال أهل الجنة في هذا المعنى أيضًا مفارقة لحال أهل النار
فإن قالوا كيف يعقل أن يشاهد الإنسان النعم العظيمة والدرجات العالية ويرى نفسه محرومًا عنها عاجزًا عن تحصيلها ثم أنه لا يميل طبعه إليها ولا يغتم بسبب الحرمان عنها فإن عقل ذلك فلم لا يعقل أيضًا أن يعيدهم الله تعالى ولا يخلق فيهم شهوة الأكل والشرب والوقاع ويغنيهم عنها
قلنا الكل ممكن والله تعالى قادر عليه إلا أنه تعالى وعد بإزالة الحقد والحسد عن القلوب وما وعد بإزالة شهوة الأكل والشرب عن النفوس فظهر الفرق بين البابين
ثم إنه تعالى قال تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الاْنْهَارُ والمعنى أنه تعالى كما خلصهم من ربقة الحقد والحسد والحرص على طلب الزيادة فقد أنعم عليهم بالذات العظيمة وقوله تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الاْنْهَارُ من رحمة الله وفضله وإحسانه وأنواع المكاشفات والسعادات الروحانية