فهرس الكتاب

الصفحة 2623 من 6606

وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَة ً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

اعلم أنه تعالى لما شرح أحوال أهل الجنة وأهل النار وأهل الأعراف ثم شرح الكلمات الدائرة بين هؤلاء الفرق الثلاث على وجه يصير سماع تلك المناظرات حاملًا للمكلف على الحذر والاحتراز وداعيًا له إلى النظر والاستدلال بين شرف هذا الكتاب الكريم ونهاية منفعته فقال وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ وهو القرآن فَصَّلْنَاهُ أي ميزنا بعضه عن بعض تمييزًا يهدي إلى الرشد ويؤمن عن الغلط والخبط فأما قوله عَلَى عِلْمٍ فالمراد أن ذلك التفصيل والتمييز إنما حصل مع العلم التام بما في كل فصل من تلك الفصول من الفوائد المتكاثرة والمنافع المتزايدة وقوله هُدًى وَرَحْمَة ً قال الزجاج هُدًى في موضع نصب أي فصلناه هاديًا وذا رحمة وقوله لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يدل على أن القرآن جعل هدى لقوم مخصوصين والمراد أنهم هم الذين اهتدوا به دون غيرهم فهو كقوله تعالى في أول سورة البقرة هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ( البقرة 2 ) واحتج أصحابنا بقوله فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ على أنه تعالى عالم بالعلم خلافًا لما يقوله المعتزلة من أنه ليس لله علم والله أعلم

هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ

اعلم أنه تعالى لما بين إزاحة العلة بسبب إنزال هذا الكتاب المفصل الموجب للهداية والرحمة بين بعده حال من كذب فقال هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ والنظر ههنا بمعنى الانتظار والتوقع

فإن قيل كيف يتوقعون وينتظرون مع جحدهم له وإنكارهم

قلنا لعل فيهم أقوامًا تشككوا وتوقفوا فلهذا السبب انتظروه وأيضًا إنهم وإن كانوا جاحدين إلا أنهم بمنزلة المنتظرين من حيث إن تلك الأحوال تأتيهم لا محالة وقوله إِلاَّ تَأْوِيلَهُ قال الفراء الضمير في قوله تَأْوِيلِهِ للكتاب يريد عاقبة ما وعدوا به على ألسنة الرسل من الثواب والعقاب والتأويل مرجع الشيء ومصيره من قولهم آل الشيء يؤل وقد احتج بهذه الآية من ذهب إلى قوله وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ ( آل عمران 7 ) أي ما يعلم عاقبة الأمر فيه إلا الله وقوله يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يريد يوم القيامة قال الزجاج قوله يَوْمٍ نصب بقوله يِقُولُ وأما قوله يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ معناه أنهم صاروا في الإعراض عنه بمنزلة من نسيه ويجوز أن يكون معنى نَسُوهُ أي تركوا العمل به والإيمان به وهذا كما ذكرنا في قوله كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَاذَا ( الأعراف 51 ) ثم بين تعالى أن هؤلاء الذين نسوا يوم القيامة يقولون قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بِالْحَقّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت