فهرس الكتاب
الاعتقادين بالتحصيل والتكوين لكن علمه بأن هذا الاعتقاد هو الحق وأن الآخر هو الباطل يقتضي كونه عالمًا بذلك المعتقد أولًا كما هو عليه فيلزم أن تكون القدرة على تحصيل الاعتقاد مشروطة بكون ذلك الاعتقاد الحق حاصلًا وذلك يقتضي كون الشيء مشروطًا بنفسه وأنه محال فثبت أنه يمتنع أن يكون حصول الهداية والعلم بتخليق العبد وأما الكلام في إبطال تلك التأويلات فقد سبق ذكره في هذا الكتاب غير مرة والله أعلم
ثم حكى تعالى عن موسى عليه السلام أنه قال بعد ذلك أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ واعلم أن قوله أَنتَ وَلِيُّنَا يفيد الحصر ومعناه أنه لا ولي لنا ولا ناصر ولا هادي إلا أنت وهذا من تمام ما سبق ذكره من قوله تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء وقوله فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا المراد منه أن إقدامه على قوله إِنْ هِى َ إِلاَّ فِتْنَتُكَ جراءة عظيمة فطلب من الله غفرانها والتجاوز عنها وقوله وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ معناه أن كل من سواك فإنما يتجاوز عن الذنب إما طلبًا للثناء الجميل أو للثواب الجزيل أو دفعًا للربقة الخسيسة عن القلب وبالجملة فذلك الغفران يكون لطلب نفع أو لدفع ضرر أما أنت فتغفر ذنوب عبادك لا لطلب عوض وغرض بل لمحض الفضل والكرم فوجب القطع بكونه خَيْرُ الْغَافِرِينَ والله أعلم
وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَاذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَة ً وَفِي الاٌّ خِرَة ِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَى ْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَواة َ وَالَّذِينَ هُم بِأايَاتِنَا يُؤْمِنُونَ
اعلم أن هذا من بقية دعاء موسى ( صلى الله عليه وسلم ) عند مشاهدة الرجفة فقوله وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَاذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَة ً معناه أنه قرر أولًا أنه الأولى له إلا الله تعالى وهو قوله أَنتَ وَلِيُّنَا ثم إن المتوقع من الولي والناصر أمران أحدهما دفع الضرر والثاني تحصيل النفع ودفع الضرر مقدم على تحصيل النفع فلهذا السبب بدأ بطلب دفع الضرر وهو قوله فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ثم أتبعه بطلب تحصيل النفع وهو قوله وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَاذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَة ً وَفِي الاْخِرَة ِ وقوله وَاكْتُبْ أي وجب لنا والكتابة تذكر بمعنى الإيجاب وسؤاله الحسنة في الدنيا والآخرة كسؤال المؤمنين من هذه الأمة حيث أخبر الله تعالى عنهم في قوله وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَة ً وَفِي الاْخِرَة ِ حَسَنَة ً
واعلم أن كونه تعالى وليًا للعبد يناسب أن يطلب العبد منه دفع المضار وتحصيل المنافع ليظهر آثار كرمه وفضله وإلهيته وأيضًا اشتغال العبد بالتوبة والخضوع والخشوع يناسب طلب هذه الأشياء فذكر السبب الأول أولًا وهو كونه تعالى وليًا له وفرع عليه طلب هذه الأشياء ثم ذكر بعده السبب الثاني وهو اشتغال العبد بالتوبة والخضوع فقال إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قال المفسرون هُدْنَا أي تبنا ورجعنا إليك قال