فهرس الكتاب
الليث ( الهود ) التوبة وإنما ذكر هذا السبب أيضًا لأن السبب الذي يقتضي حسن طلب هذه الأشياء ليس إلا مجموع هذين الأمرين كونه إلهًا وربًا ووليًا وكوننا عبيدًا له تائبين خاضعين خاشعين فالأول عهد عزة الربوبية والثاني عهد ذلة العبودية فإذا حصلا واجتمعا فلا سبب أقوى منهما ولما حكى الله تعالى دعاء موسى عليه السلام ذكر بعده ما كان جوابًا لموسى عليه السلام فقال تعالى قال عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء معناه إني أعذب من أشاء وليس لأحد علي اعتراض لأن الكل ملكي ومن تصرف في خالص ملكه فليس لأحد أن يعترض عليه وقرأ الحسن مِنْ أَسَاء من الإساءة واختار الشافعي هذه القراءة وقوله وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَى ْء فيه أقوال كثيرة قيل المراد من قوله وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَى ْء هو أن رحمته في الدنيا عمت الكل وأما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين وإليه الإشارة بقوله فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وقيل الوجود خير من العدم وعلى هذا التقدير فلا موجود إلا وقد وصل إليه رحمته وأقل المراتب وجوده وقيل الخير مطلوب بالذات والشر مطلوب بالعرض وما بالذات راجح غالب وما بالعرض مرجوح مغلوب وقال المعتزلة الرحمة عبارة عن إرادة الخير ولا حي إلا وقد خلقه الله تعالى للرحمة واللذة والخير لأنه إن كان منتفعًا أو متمكنًا من الانتفاع فهو برحمة الله من جهات كثيرة وإن حصل هناك ألم فله الأعواض الكثيرة وهي من نعمة الله تعالى ورحمته فلهذا السبب قال وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَى ْء وقال أصحابنا قوله وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَى ْء من العام الذي أريد به الخاص كقوله وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَى ْء
أما قوله وَاكْتُبْ لَنَا فِى هَاذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَة ً وَفِي الاْخِرَة ِ إِنَّا
فاعلم أن جميع تكاليف الله محصورة في نوعين الأول التروك وهي الأشياء التي يجب على الإنسان تركها والاحتراز عنها والاتقاء منها وهذا النوع إليه الإشارة بقوله لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ والثاني الأفعال وتلك التكاليف إما أن تكون متوجهة على مال الإنسان أو على نفسه
أما القسم الأول فهو الزكاة وإليه الإشارة بقوله وَيُؤْتُونَ الزَّكَواة َ
وأما القسم الثاني فيدخل فيه ما يجب على الإنسان علمًا وعملًا أما العلم فالمعرفة وأما العمل فالإقرار باللسان والعمل بالأركان ويدخل فيها الصلاة وإلى هذا المجموع الإشارة بقوله وَالَّذِينَ هُم بِئَايَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ونظيره قوله تعالى في أول سورة البقرة هُدًى لّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلواة َ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ( البقرة 2 3 )
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِى َّ الأُمِّى َّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التَّوْرَاة ِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالاٌّ غْلَالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِى أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ