فهرس الكتاب

الصفحة 2759 من 6606

اعلم أنه تعالى لما بين أن من صفة من تكتب له الرحمة في الدنيا والآخرة التقوى وإيتاء الزكاة والإيمان بالآيات ضم إلى ذلك أن يكون من صفته اتباع النَّبِى َّ الامّى َّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التَّوْرَاة ِ وَالإِنجِيلِ واختلفوا في ذلك فقال بعضهم المراد بذلك أن يتبعوه باعتقاد نبوته من حيث وجدوا صفته في التوراة إذ لا يجوز أن يتبعوه في شرائعه قبل أن يبعث إلى الخلق وقال في قوله وَالإِنجِيلَ أن المراد سيجدونه مكتوبًا في الإنجيل لأن من المحال أن يجدوه فيه قبل ما أنزل الله الإنجيل وقال بعضهم بل المراد من لحق من بني إسرائيل أيام الرسول فبين تعالى أن هؤلاء اللاحقين لا يكتب لهم رحمة الآخرة إلا إذا اتبعوا الرسول النبي الأمي والقول الثاني أقرب لأن اتباعه قبل أن بعث ووجد لا يمكن فكأنه تعالى بين بهذه الآية أن هذه الرحمة لا يفوز بها من بني إسرائيل إلا من اتقى وآتى الزكاة وآمن بالدلائل في زمن موسى ومن هذه صفته في أيام الرسول إذا كان مع ذلك متبعًا للنبي الأمي في شرائعه

إذا عرفت هذا فنقول إنه تعالى وصف محمدًا ( صلى الله عليه وسلم ) في هذه الآية بصفات تسع

الصفة الأولى كونه رسولًا وقد اختص هذا اللفظ بحسب العرف بمن أرسله الله إلى الخلق لتبليغ التكاليف

الصفة الثانية كونه نبيًا وهو يدل على كونه رفيع القدر عند الله تعالى

الصفة الثالثة كونه أميًا قال الزجاج معنى الامّى ّ الذي هو على صفة أمة العرب قال عليه الصلاة والسلام ( إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ) فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرؤون والنبي عليه الصلاة والسلام كان كذلك فلهذا السبب وصفه بكونه أميًا قال أهل التحقيق وكونه أميًا بهذا التفسير كان من جملة معجزاته وبيانه من وجوه الأول أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ عليهم كتاب الله تعالى منظومًا مرة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه ولا تغيير كلماته والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها فإنه لا بد وأن يزيد فيها وأن ينقص عنها بالقليل والكثير ثم إنه عليه الصلاة والسلام مع أنه ما كان يكتب وما كان يقرأ يتلو كتاب الله من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير فكان ذلك من المعجزات وإليه الإشارة بقوله تعالى سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى ( الأعلى 6 ) والثاني أنه لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متهمًا في أنه ربما طالع كتب الأولين فحصل هذه العلوم من تلك المطالعة فلما أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلم ولا مطالعة كان ذلك من المعجزات وهذا هو المراد من قوله وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِنْهُ قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ( العنكبوت 48 ) الثالث أن تعلم الخط شيء سهل فإن أقل الناس ذكاء وفطنة يتعلمون الخط بأدنى سعى فعدم تعلمه يدل على نقصان عظيم في الفهم ثم إنه تعالى آتاه علوم الأولين والآخرين وأعطاه من العلوم والحقائق ما لم يصل إليه أحد من البشر ومع تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلم الخط الذي يسهل تعلمه على أقل الخلق عقلًا وفهمًا فكان الجمع بين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت