فهرس الكتاب

الصفحة 2765 من 6606

والنوع الثاني من معجزاته الأمور التي ظهرت من مخارج ذاته مثل انشقاق القمر ونبوع الماء من بين أصابعه وهي تسمى بكلمات الله تعالى ألا ترى أن عيسى عليه السلام لما كان حدوثه أمرًا غريبًا مخالفًا للمعتاد لا جرم سماه الله تعالى كلمة فكذلك المعجزات لما كانت أمورًا غريبة خارقة للعادة لم يبعد تسميتها بكلمات الله تعالى وهذا النوع هو المراد بقوله يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ أي يؤمن بالله وبجميع المعجزات التي أظهرها الله عليه فبهذا الطريق أقام الدليل على كونه نبيًا صادقًا من عند الله

واعلم أنه لما ثبت بالدلائل القاهرة التي قررناها بنبوة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) وجب أن يذكر عقيبه الطريق الذي به يمكن معرفة شرعه على التفصيل وما ذاك إلا بالرجوع إلى أقواله وأفعاله وإليه الإشارة بقوله تعالى وَاتَّبِعُوهُ

واعلم أن المتابعة تتناول المتابعة في القول وفي الفعل أما المتابعة في القول فهو أن يمتثل المكلف كل ما يقوله في طرق الأمر والنهي والترغيب والترهيب وأما المتابعة في الفعل فهي عبارة عن الإتيان بمثل ما أتى المتبوع به سواء كان في طرف الفعل أو في طرف الترك فثبت أن لفظ وَاتَّبِعُوهُ يتناول القسمين وثبت أن ظاهر الأمر للوجوب فكان قوله تعالى وَاتَّبِعُوهُ دليلًا على أنه يجب الانقياد له في كل أمر ونهي ويجب الاقتداء به في كل ما فعله إلا ما خصه الدليل وهو الأشياء التي ثبت بالدليل المنفصل أنها من خواص الرسول ( صلى الله عليه وسلم )

فإن قيل الشيء الذي أتي به الرسول يحتمل أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان واجبًا عليه ويحتمل أيضًا أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان مندوبًا فبتقدير أنه أتى به على سبيل أن ذلك كان مندوبًا فلو أتينا به على سبيل أنه واجب علينا كان ذلك تركًا لمتابعته ونقضًا لمبايعته والآية تدل على وجوب متابعته فثبت أن إقدام الرسول على ذلك الفعل لا يدل على وجوبه علينا

قلنا المتابعة في الفعل عبارة عن الإتيان بمثل الفعل الذي أتى به المتبوع بدليل أن من أتى بفعل ثم إن غيره وافقه في ذلك الفعل قيل إنه تابعه عليه ولو لم يأت به قيل إنه خالفه فيه فلما كان الإتيان بمثل فعل المتبوع متابعة ودلت الآية على وجوب المتابعة لزم أن يجب على الأمة مثل فعل الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) بقي ههنا أنا لا نعرف أنه عليه السلام أتى بذلك على قصد الوجوب أو على قصد الندب فنقول حال الدواعي والعزائم غير معلوم وحال الإتيان بالفعل الظاهر والعمل المحسوس معلوم فوجب أن لا يلتفت إلى البحث عن حال العزائم والدواعي لكونها أمورًا مخفية عنا وأن نحكم بوجوب المتابعة في العمل الظاهر لكونها من الأمور التي يمكن رعايتها فزالت هذه الشبهة وتقريره أن هذه الآية دالة على أن الأصل في كل فعل فعله الرسول أن يجب علينا لإتيان بمثله إلا إذا خصه الدليل

إذا عرفت هذا فنقول إنا إذا أردنا أن نحكم بوجوب عمل من الأعمال

قلنا إن هذا العمل فعله أفضل من تركه وإذا كان الأمر كذلك فحينئذ نعمل أن الرسول قد أتى به في الجملة لأن العلم الضروري حاصل بأن الرسول لا يجوز أن يواظب طول عمره على ترك الأفضل فعلمنا أنه عليه السلام قد أتى بهذا الطريق الأفضل وأما أنه هل أتى بالطرف الأحسن فهو مشكوك والمشكوك لا يعارض المعلوم فثبت أنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت