فهرس الكتاب
يثبت كون الإله تعالى واحدًا لم يكن إرسال الرسل وإنزال الكتب المشتملة على التكليف جائزًا
والأصل الثالث إثبات أنه تعالى قادر على الحشر والنشر والبعث والقيامة لأن بتقدير أن لا يثبت ذلك كان الاشتغال بالطاعة والاحتراز عن المعصية عبثًا ولغوًا وإلى تقدير هذا الأصل الإشارة بقوله يُحْى ِ وَيُمِيتُ لأنه لما أحيا أولًا ثبت كونه قادرًا على الإحياء ثانيًا فيكون قادرًا على الإعادة والحشر والنشر وعلى هذا التقدير يكون الإحياء الأول إنعامًا عظيمًا فلا يبعد منه تعالى أن يطالبه بالعبودية ليكون قيامه بتلك الطاعة قائمًا مقام الشكر عن الإحياء الأول وأيضًا لما دل الإحياء الأول على قدرته على الإحياء الثاني فحينئذ يكون قادرًا على إيصال الجزاء إليه
واعلم أنه لما ثبت القول بصحة هذه الأصول الثلاثة ثبت أنه يصح من الله تعالى إرسال الرسل ومطالبة الخلق بالتكاليف لأن على هذا التقدير الخلق كلهم عبيده ولا مولى لهم سواه وأيضًا إنه منعم على الكل بأعظم النعم وأيضًا إنه قادر على إيصال الجزاء إليهم بعد موتهم وكل واحد من هذه الأسباب الثلاثة سبب تام في أنه يحسن منه تكليف الخلق أما بحسب السبب الأول فإنه يحسن من المولى مطالبة عبده بطاعته وخدمته وأما بحسب السبب الثاني فلأنه يحسن من المنعم مطالبة المنعم عليه بالشكر والطاعة وأما بحسب السبب الثالث فلأنه يحسن من القادر على إيصال الجزاء التام إلى المكلف أن يكلفه بنوع من أنواع الطاعة فظهر أنه لما ثبتت الأصول الثلاثة بالدلائل التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية فإنه يلزم الجزم بأنه يحسن من الله إرسال الرسل ويجوز منه تعالى أن يخصهم بأنواع التكاليف فثبت أن الآيات المذكورة دالة على أن للعالم إلهًا حيًا عالمًا قادرًا وعلى أن هذا الإله واحد وعلى أنه يحسن منه إرسال الرسل وإنزال الكتب
واعلم أنه تعالى لما أثبت هذه الأصول المذكورة بهذه الدلائل المذكورة في هذه الآية ذكر بعده قوله قُلْ ياأَيُّهَا النَّاسُ وهذا الترتيب في غاية الحسن وذلك لأنه لما بين أولًا أن القول ببعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام أمر جائز ممكن أردفه بذكر أن محمدًا رسول حق من عند الله لأن من حاول إثبات مطلوب وجب عليه أن يبين جوازه أولًا ثم حصوله ثانيًا ثم إنه بدأ بقوله مَّا كَانَ لأنا بينا أن الإيمان بالله أصل والإيمان بالنبوة والرسالة فرع عليه والأصل يجب تقديمه فلهذا السبب بدأ بقوله مَّا كَانَ ثم أتبعه بقوله وَرَسُولِهِ النَّبِى ّ الامّى ّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ
واعلم أن هذا إشارة إلى ذكر المعجزات الدالة على كونه نبيًا حقًا وتقريره أن معجزات رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) كانت على نوعين
النوع الأول المعجزات التي ظهرت في ذاته المباركة وأجلها وأشرفها أنه كان رجلًا أميًا لم يتعلم من أستاذ ولم يطالع كتابًا ولم يتفق له مجالسة أحد من العلماء لأنه ما كانت مكة بلدة العلماء وما غاب رسول الله عن مكة غيبة طويلة يمكن أن يقال إن في مدة تلك الغيبة تعلم العلوم الكثيرة ثم إنه مع ذلك فتح الله عليه باب العلم والتحقيق وأظهر عليه هذا القرآن المشتمل على علوم الأولين والآخرين فكان ظهور هذه العلوم العظيمة عليه مع أنه كان رجلًا أميًا لم يلق أستاذًا ولم يطالع كتابًا من أعظم المعجزات وإليه الإشارة بقوله النَّبِى ّ الامّى ّ