فهرس الكتاب

الصفحة 2763 من 6606

يلزم أن يقال إن قوله يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ عام دخله التخصيص

وأما الثاني فلأنه يبعد جدًا أن يقال حصل في طرف من أطراف الأرض قوم لم يبلغهم خبر ظهور محمد عليه الصلاة والسلام وخبر معجزاته وشرائعه وإذا كان ذلك كالمستبعد لم يكن بنا حاجة إلى التزام هذا التخصيص

المسألة الثانية هذه الآية وإن دلت على أن محمدًا عليه الصلاة والسلام مبعوث إلى كل الخلق فليس فيها دلالة على أن غيره من الأنبياء عليهم السلام ما كان مبعوثًا إلى كل الخلق بل يجب الرجوع في أنه هل كان في غيره من الأنبياء من كان مبعوثًا إلى كل الخلق أم لا إلى سائر الدلائل فنقول تمسك جمع من العلماء في أن أحدًا غيره ما كان مبعوثًا إلى كل الخلق لقوله عليه الصلاة والسلام ( أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي أرسلت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ونصرت على عدوي بالرعب يرعب مني مسيرة شهر وأطعمت الغنيمة دون من قبلي وقيل لي سل تعطه فاختبأتها شفاعة لأمتي )

ولقائل أن يقول هذا الخبر لا يتناول دلالته على إثبات هذا المطلوب لأنه لا يبعد أن يكون المراد مجموع هذه الخمسة من خواص رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يحصل لأحد سواه ولم يلزم من كون هذا المجموع من خواصه كون واحد من آحاد هذا المجموع من خواصه وأيضًا قيل إن آدم عليه السلام كان مبعوثًا إلى جميع أولاده وعلى هذا التقدير فقد كان مبعوثًا إلى جميع الناس وأن نوحًا عليه السلام لما خرج من السفينة كان مبعوثًا إلى الذين كانوا معه مع أن جميع الناس في ذلك الزمان ما كان إلا ذلك القوم

أما قوله تعالى الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ فاعلم أنه تعالى لما أمر رسوله بأن يقول للناس كلهم إني رسول الله إليكم أردفه بذكر ما يدل على صحة هذه الدعوى

واعلم أن هذه الدعوى لا تتم ولا تظهر فائدتها إلا بتقرير أصول أربعة

الأصل الأول إثبات أن للعالم إلهًا حيًا عالمًا قادرًا والذي يدل عليه ما ذكره في قوله تعالى الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضَ وذلك لأن أجسام السموات والأرض تدل على افتقارها إلى الصانع الحي العالم القادر من جهات كثيرة مذكورة في القرآن العظيم وشرحها وتقريرها مذكور في هذا التفسير وإنما افتقرنا في حسن التكليف وبعثة الرسل إلى إثبات هذا الأصل لأن بتقدير أن لا يحصل للعالم مؤثر يؤثر في وجوده أو إن حصل له مؤثر لكن كان ذلك المؤثر موجبًا بالذات لا فاعلًا بالاختيار لم يكن القول ببعثة الأنبياء والرسل عليهم السلام ممكنًا

والأصل الثاني إثبات أن إله العالم واحد منزه عن الشريك والضد والند وإليه الإشارة بقوله لاَ إله إِلاَّ هُوَ وإنما افتقرنا في حسن التكليف وجواز بعثة الرسل إلى تقرير هذا الأصل لأن بتقدير أن يكون للعالم إلهان وأرسل أحد الإلهين نبيًا إلى الخلق فلعل هذا الإنسان الذي يدعوه الرسول إلى عبادة هذا الإله ما كان مخلوقًا له بل كان مخلوقًا للإله الثاني وعلى هذا التقدير فإنه يجب على هذا الإنسان عبادة هذا الإله وطاعته فكان بعثة الرسول إليه وإيجاب الطاعة عليه ظلمًا وباطلًا أما إذا ثبت أن الإله واحد فحينئذ يكون جميع الخلق عبيدًا له ويكون تكليفه في الكل نافذًا وانقياد الكل لأوامره ونواهيه لازمًا فثبت أن ما لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت