فهرس الكتاب

الصفحة 2772 من 6606

إذا عرفت هذا فنقول في هذه الآية قولان

القول الأول أن أهل القرية منهم من صاد السمك وأقدم على ذلك الذنب ومنهم من لم يفعل ذلك وهذا القسم الثاني صاروا قسمين منهم من وعظ الفرقة المذنبة وزجرهم عن ذلك الفعل ومنهم من سكت عن ذلك الوعظ وأنكروا على الواعظين وقالوا لهم لم تعظوهم مع العلم بأن الله مهلكهم أو معذبهم يعني أنهم قد بلغوا في الإصرار على هذا الذنب إلى حد لا يكادون يمنعون عنه فصار هذا الوعظ عديم الفائدة عديم الأثر فوجب تركه

والقول الثاني أن أهل القرية كانوا فرقتين فرقة أقدمت على الذنب وفرقة أحجموا عنه ووعظوا الأولين فلما اشتغلت هذه الفرقة بوعظ الفرقة المذنبة المتعدية المقدمة على القبيح فعند ذلك قالت الفرقة المذنبة للفرقة الواعظة لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ بزعمكم قال الواحدي والقول الأول أصح لأنهم لو كانوا فرقتين وكان قوله مَعْذِرَة ً إِلَى رَبّكُمْ خطابًا من الفرقة الناهية للفرقة المعتدية لقالوا وَلَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

أما قوله فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ يعني أنهم لما تركوا ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الظالمين المقدمين على فعل المعصية

واعلم أن لفظ الآية يدل على أن الفرقة المتعدية هلكت والفرقة الناهية عن المنكر نجت أما الذين قالوا لِمَ تَعِظُونَ فقد اختلف المفسرون في أنهم من أي الفريقين كانوا فنقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه توقف فيه ونقل عنه أيضًا هلكت الفرقتان ونجت الناهية وكان ابن عباس إذا قرأ هذه الآية بكى وقال إن هؤلاء الذين سكتوا عن النهي عن المنكر هلكوا ونحن نرى أشياء ننكرها ثم نسكت ولا نقول شيئًا قال الحسن الفرقة الساكتة ناجية فعلى هذا نجت فرقتان وهلكت الثالثة واحتجوا عليه بأنهم لما قالوا لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ دل ذلك على أنهم كانوا منكرين عليهم أشد الإنكار وأنهم إنما تركوا وعظهم لأنه غلب على ظنهم أنهم لا يلتفتون إلى ذلك الوعظ ولا ينتفعون به

فإن قيل إن ترك الوعظ معصية والنهي عنه أيضًا معصية فوجب دخول هؤلاء التاركين للوعظ الناهين عنه تحت قوله وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ

قلنا هذا غير لازم لأن النهي عن المنكر إنما يجب على الكفاية فإذا قام به البعض سقط عن الباقين ثم ذكر أنه تعالى أخذهم بعذاب بئيس والظاهر أن هذا العذاب غير المسخ المتأخر ذكره وقوله بِعَذَابٍ بَئِيسٍ أي شديد وفي هذه اللفظة قراآت أحدها بَئِيسٍ بوزن فعيل قال أبو علي وفيه وجهان الأول أن يكون فعيلًا من بؤس يبؤس بأسًا إذا اشتد والآخر ما قاله أبو زيد وهو أنه من البؤس وهو الفقر يقال بئس الرجل يبأس بؤسًا وبأسًا وبئيسًا إذا افتقر فهو بائس أي فقير فقوله بِعَذَابٍ بَئِيسٍ أي ذي بؤس والقراءة الثانية بِئْسَ بوزن حذر والثالثة بيس على قلب الهمزة ياء كالذيب في ذئب والرابعة بيئس على فيعل والخامسة بيس كوزن ريس على قلب همزة بئيس ياء وإدغام الياء فيها والسادسة بيس على تخفيف بيس كهين في هين وهذه القراآت نقلها صاحب ( الكشاف ) ثم بين تعالى أنهم مع نزول هذا العذاب بهم تمردوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت