فهرس الكتاب
الحجة الثالثة أنه تعالى حكى عن أولئك الذرية أنهم قالوا أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ ءابَاؤُنَا وهذا الكلام يليق بأولا آدم لأنه عليه السلام ما كان مشركًا
الحجة الرابعة أن أخذ الميثاق لا يمكن إلا من العاقل فلو أخذ الله الميثاق من أولئك الذر لكانوا عقلاء ولو كانوا عقلاء وأعطوا ذلك الميثاق حال عقلهم لوجب أن يتذكروا في هذا الوقت أنهم أعطوا الميثاق قبل دخولهم في هذا العالم لأن الإنسان إذا وقعت له واقعة عظيمة مهيبة فإنه لا يجوز مع كونه عاقلًا أن ينساها نسيانًا كليًا لا يتذكر منها شيئًا لا بالقليل ولا بالكثير وبهذا الدليل يبطل القول بالتناسخ فإنا نقول لو كانت أرواحنا قد حصلت قبل هذه الأجساد في أجساد أخرى لوجب أن نتذكر الآن أنا كنا قبل هذا الجسد في جسد آخر وحيث لم نتذكر ذلك كان القول بالتناسخ باطلًا فإذا كان اعتمادنا في إبطال التناسخ ليس إلا على هذا الدليل وهذا الدليل بعينه قائم في هذه المسألة وجب القول بمقتضاه فلو جاز أن يقال إنا في وقت الميثاق أعطينا العهد والميثاق مع أنا في هذا الوقت لا نتذكر شيئًا منه فلم لا يجوز أيضًا أن يقال إنا كنا قبل هذا البدن في بدن آخر مع أنا في هذا البدن لا نتذكر شيئًا من تلك الأحوال وبالجملة فلا فرق بين هذا القول وبين مذهب أهل التناسخ فإن لم يبعد التزام هذا القول لم يبعد أيضًا التزام مذهب التناسخ
الحجة الخامسة أن جميع الخلق الذين خلقهم الله من أولاد آدم عدد عظيم وكثرة كثيرة فالمجموع الحاصل من تلك الذرات يبلغ مبلغًا عظيمًا في الحجمية والمقدار وصلب آدم على صغره يبعد أن يتسع لذلك المجموع
الحجة السادسة أن البنية شرط لحصول الحياة والعقل والفهم إذ لو لم يكن كذلك لم يبعد في كل ذرة من ذرات الهباء أن يكون عاقلًا فاهمًا مصنفًا للتصانيف الكثيرة في العلوم الدقيقة وفتح هذا الباب يفضي إلى التزام الجهالات وإذا ثبت أن البنية شرط لحصول الحياة فكل واحد من تلك الذرات لا يمكن أن يكون عالمًا فاهمًا عاقلًا إلا إذا حصلت له قدرة من البنية واللحمية والدمية وإذا كان كذلك فمجموع تلك الأشخاص الذين خرجوا إلى الوجود من أول تخليق آدم إلى آخر قيام القيامة لا تحويهم عرصة الدنيا فكيف يمكن أن يقال إنهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة في صلب آدم عليه السلام
الحجة السابعة قالوا هذا الميثاق إما أن يكون قد أخذه الله منهم في ذلك الوقت ليصير حجة عليهم في ذلك الوقت أو ليصير حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا والأول باطل لانعقاد الإجماع على أن بسبب ذلك القدر من الميثاق لا يصيرون مستحقين للثواب والعقاب والمدح والذم ولا يجوز أن يكون المطلوب منه أن يصير ذلك حجة عليهم عند دخولهم في دار الدنيا لأنهم لما لم يذكروا ذلك الميثاق في الدنيا فكيف يصير ذلك حجة عليهم في التمسك بالإيمان
الحجة الثامنة قال الكعبي إن حال أولئك الذرية لا يكون أعلى في الفهم والعلم من حال الأطفال ولما لم يكن توجيه التكليف على الطفل فكيف يمكن توجيهه على أولئك الذوات
وأجاب الزجاج عنه فقال لما لم يبعد أن يؤتى الله النمل العقل كما قال قَالَتْ نَمْلَة ٌ يأَيُّهَا النَّمْلُ ( النمل 18 ) وأن يعطي الجبل الفهم حتى يسبح كما قال وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ الْجِبَالَ يُسَبّحْنَ ( الأنبياء 79 ) وكما أعطى الله العقل للبعير حتى سجد للرسول وللنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت فكذا ههنا