فهرس الكتاب

الصفحة 2780 من 6606

الحجة التاسعة أن أولئك الذر في ذلك الوقت إما أن يكونوا كاملي العقول والقدر أو ما كانوا كذلك فإن كان الأول كانوا مكلفين لا محالة وإنما يبقون مكلفين إذا عرفوا الله بالاستدلال ولو كانوا كذلك لما امتازت أحوالهم في ذلك الوقت عن أحوالهم في هذه الحياة الدنيا فلو افتقر التكليف في الدنيا إلى سبق ذلك الميثاق لافتقر التكليف في وقت ذلك الميثاق إلى سبق ميثاق آخر ولزم التسلسل وهو محال وأما الثاني وهو أن يقال إنهم في وقت ذلك الميثاق ما كانوا كاملي العقول ولا كاملي القدر فحينئذ يمتنع توجيه الخطاب والتكليف عليهم

الحجة العاشرة قوله تعالى فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ ( الطارق 5 6 ) ولو كانت تلك الذرات عقلاء فاهمين كاملين لكانوا موجودين قبل هذا الماء الدافق ولا معنى للإنسان إلا ذلك الشيء فحينئذ لا يكون الإنسان مخلوقًا من الماء الدافق وذلك رد لنص القرآن

فإن قالوا لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى خلقه كامل العقل والفهم والقدرة عند الميثاق ثم أزال عقله وفهمه وقدرته ثم إنه خلقه مرة أخرى في رحم الأم وأخرجه إلى هذه الحياة

قلنا هذا باطل لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان خلقه من النطفة خلقًا على سبيل الابتداء بل يجب أن يكون خلقًا على سبيل الإعادة وأجمع المسلمون على أن خلقه من النطفة هو الخلق المبتدأ فدل هذا على أن ما ذكرتموه باطل

الحجة الحادية عشرة هي أن تلك الذرات إما أن يقال هي عين هؤلاء الناس أو غيرهم والقول الثاني باطل بالإجماع بقي القول الأول فنقول إما أن يقال إنهم بقوا فهماء عقلاء قادرين حال ما كانوا نطفة وعلقة ومضغة أو ما بقوا كذلك والأول باطل ببديهة العقل والثاني يقتضي أن يقال الإنسان حصل له الحياة أربع مرات أولها وقت الميثاق وثانيها في الدنيا وثالثها في القبر ورابعها في القيامة وأنه حصل له الموت ثلاث مرات موت بعد الحياة الحاصلة في الميثاق الأول وموت في الدنيا وموت في القبر وهذا العدد مخالف للعدد المذكور في قوله تعالى رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ( غافر 11 )

الحجة الثانية عشرة قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلَالَة ٍ مّن طِينٍ ( المؤمنين 12 ) فلو كان القول بهذا الذر صحيحًا لكان ذلك الذر هو الإنسان لأنه هو المكلف المخاطب المثاب المعاقب وذلك باطل لأن ذلك الذر غير مخلوق من النطفة والعلقة والمضغة ونص الكتاب دليل على أن الإنسان مخلوق من النطفة والعلقة وهو قوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلَالَة ٍ مّن طِينٍ وقوله قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَى ّ شَى ْء خَلَقَهُ مِن نُّطْفَة ٍ خَلَقَهُ ( عبس 17 18 ) فهذه جملة الوجوه المذكورة في بيان أن هذا القول ضعيف

والقول الثاني في تفسير هذه الآية قول أصحاب النظر وأرباب المعقولات أنه تعالى أخرج الذرية وهم الأولاد من أصلاب آبائهم وذلك الإخراج أنهم كانوا نطفة فأخرجها الله تعالى في أرحام الأمهات وجعلها علقة ثم مضغة ثم جعلهم بشرًا سويًا وخلقًا كاملًا ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته وعجائب خلقه وغرائب صنعه فبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا بلى وإن لم يكن هناك قول باللسان ولذلك نظائر منها قوله تعالى فَقَالَ لَهَا وَلِلاْرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ( فصلت 11 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت