فهرس الكتاب

الصفحة 2808 من 6606

للكفر وإن كانت صالحة للإيمان فخالق تلك القدرة يكون مريدًا للكفر وإن كانت صالحة للإيمان امتنع صدور الكفر عنها بدلًا عن الإيمان إلا عند حدوث داعية جازمة فخالق تلك الداعية الجازمة يكون مريدًا للكفر فثبت أن على جميع التقادير لا يملك العبد لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله

أجاب القاضي عنه بوجوه الأول أن ظاهر قوله قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا إِلاَّ مَا شَاء اللَّهُ وإن كان عامًا بحسب اللفظ إلا أنا ذكرنا أن سبب نزوله هو أن الكفار قالوا يا محمد ألايخبرك ربك بوقت السعر الرخيص قبل أن يغلو حتى نشتري الرخيص فنربح عليه عند الغلاء فيحمل اللفظ العام على سبب نزوله والمراد بالنفع تملك الأموال وغيرها والمراد بالضر وقت القحط والأمراض وغيرها الثاني المراد لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا فيما يتصل بعلم الغيب والدليل على أن المراد ذلك قوله وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ الثالث المراد لا أملك لنفسي من الضر والنفع إلا قدر ما شاء الله أن يقدرني عليه ويمكنني منه والمقصود من هذا الكلام بيان أنه لا يقدر على شيء إلا إذا أقدره الله عليه

واعلم أن هذه الوجوه بأسرها عدول عن ظاهر اللفظ وكيف يجوز المصير إليه مع أنا أقمنا البرهان القاطع العقلي على أن الحق ليس إلا ما دل عليه ظاهر لفظ هذه الآية والله أعلم

المسألة الثالثة احتج الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) على عدم علمه بالغيب بقوله وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ واختلفوا في المراد من هذا الخير فقيل المراد منه جلب منافع الدنيا وخيراتها ودفع آفاتها ومضراتها ويدخل فيه ما يتصل بالخصب والجدب والأرباح والأكساب وقيل المراد منه ما يتصل بأمر الدين يعني لو كنت أعلم الغيب كنت أعلم أن الدعوى إلى الدين الحق تؤثر في هذا ولا تؤثر في ذاك فكيف اشتغل بدعوة هذا دون ذاك وقيل المراد منه ما يتصل بالجواب عن السؤالات والتقدير لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير

والجواب عن هذه المسائل التي سألوه عنها مثل السؤال عن وقت قيام الساعة وغيره

أما قوله وَمَا مَسَّنِى َ السُّوء ففيه قولان

القول الأول قال الواحدي رحمه الله تم الكلام عند قوله وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ ثم قال وَمَا مَسَّنِى َ السُّوء أي ليس بي جنون وذلك لأنهم نسبوه إلى الجنون كما ذكرنا في قوله مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّة ٍ وهذا القول عندي بعيد جدًا ويوجب تفكك نظم الآية

والقول الثاني إنه تمام الكلام الأول والتقدير ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من تحصيل الخير ولاحترزت عن الشر حتى صرت بحيث لا يمسني سوء ولما لم يكن الأمر كذلك ظهر أن علم الغيب غير حاصل عندي ولما بين بما سبق أنه لا يقدر إلا على ما أقدر الله عليه ولا يعلم إلا ما أعطاه الله العلم به قال إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ والنذير مبالغة في الإنذار بالعقاب على فعل المعاصي وترك الواجبات والبشير مبالغة في البشارة بالثواب على فعل الواجبات وترك المعاصي وقوله لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فيه قولان أحدهما أنه نذير وبشير للمؤمنين والكافرين إلاأنه ذكر إحدى الطائفتين وترك ذكر الثانية لأن ذكر إحداهما يفيد ذكر الأخرى كقوله سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ ( النحل 81 ) والثاني أنه عليه الصلاة والسلام وإن كان نذيرًا وبشيرًا للكل إلا أن المنتفع بتلك النذارة والبشارة هم المؤمنون فلهذا السبب خصهم الله بالذكر وقد بالغنا في تقرير هذا المعنى في تفسير قوله تعالى هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ( البقرة 2 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت