فهرس الكتاب
صيغة الفعل مشعرة بالتجدد والحدوث حالًا بعد حال وصيغة الاسم مشعرة بالدوام والثبات والاستمرار
إذا عرفت هذا فنقول إن هؤلاء المشركين كانوا إذا وقعوا في مهم وفي معضلة تضرعوا إلى تلك الأصنام وإذا لم تحدث تلك الواقعة بقوا ساكتين صامتين فقيل لهم لا فرق بين إحداثكم دعاءهم وبين أن تستمروا على صمتكم وسكوتكم فهذا هو الفائدة في هذه اللفظة ثم أكد الله بيان أنها لا تصلح للإلهية فقال إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ وفيه سؤال وهو أنه كيف يحسن وصفها بأنها عباد مع أنها جمادات وجوابه من وجوه الأول أن المشركين لما ادعوا أنها تضر وتنفع وجب أن يعتقدوا فيها كونها عاقلة فاهمة فلا جرم وردت هذه الألفاظ على وفق معتقداتهم ولذلك قال فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ ولم يقل فادعوهم فليستجبن لكم وقال إِنَّ الَّذِينَ ولم يقل التي
والجواب الثاني أن هذا اللغو أورد في معرض الاستهزاء بهم أي قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم ولا فضل لهم عليكم فلم جعلتم أنفسكم عبيدًا وجعلتموها آلهة وأربابًا ثم أبطل أن يكونوا عبادًا أمثالكم فقال أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ( الأعراف 195 ) ثم أكد هذا البيان بقوله فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ ومعنى هذا الدعاء طلب المنافع وكشف المضار من جهتهم واللام في قوله فَلْيَسْتَجِيبُواْ لام الأمر على معنى التعجيز والمعنى أنه لما ظهر لكل عاقل أنها لا تقدر على الإجابة ظهر أنها لا تصلح للمعبودية ونظيره قول إبراهيم عليه السلام لأبيه لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئًا ( مريم 42 ) وقوله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ أي في ادعاء أنها آلهة ومستحقة للعبادة ولما ثبت بهذه الدلائل الثلاثة اليقينية أنها لا تصلح للمعبودية وجب على العاقل أن لا يلتفت إليها وأن لا يشتغل إلا بعباده الإله القادر العالم الحي الحكيم الضار النافع
أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ
اعلم أن هذا نوع آخر من الدليل في بيان أنه يقبح من الإنسان العاقل أن يشتغل بعبادة هذه الأصنام وتقريره أنه تعالى ذكر في هذه الآية أعضاء أربعة وهي الأرجل والأيدي والأعين والآذان ولا شك أن هذه الأعضاء إذا حصل في كل واحدة منها ما يليق بها من القوى المحركة والمدركة تكون أفضل منها إذا كانت خالية عن هذه القوى فالرجل القادرة على المشي واليد القادرة على البطش أفضل من اليد والرجل الخاليتين عن قوة الحركة والحياة والعين الباصرة والأذن السامعة أفضل من العين والأذن الخاليتين عن القوة الباصرة والسامعة وعن قوة الحياة وإذا ثبت هذا ظهر أن الإنسان أفضل بكثير من هذه الأصنام بل لا نسبة لفضيلة الإنسان إلى فضل هذه الأصنام البتة وإذا كان كذلك فكيف يليق بالأفضل الأكمل الأشرف أن يشتغل بعبادة الأخس الأدون الذي لا يحس منه فائدة البتة لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة هذا هو الوجه في