فهرس الكتاب

الصفحة 2813 من 6606

المسألة الأولى المقصود من هذه الآية إقامة الحجة على أن الأوثان لا تصلح للإلهية فقوله أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ معناه أيعبدون ما لا يقدر على أن يخلق شيئًا وهم يخلقون أي وهم مخلوقون يعني الأصنام

فإن قيل كيف وحد يَخْلُقُ ثم جمع فقال وَهُمْ يُخْلَقُونَ وأيضًا فكيف ذكر الواو والنون في جمع غير الناس

والجواب عن الأول أن لفظ مَا تقع على الواحد والاثنين والجمع فهذه من صيغ الوحدان يحسب ظاهر لفظها ومحتملة للجمع فالله تعالى اعتبر الجهتين فوحد قوله يَخْلُقُ رعاية لحكم ظاهر اللفظ وجمع قوله وَهُمْ يُخْلَقُونَ رعابة لجانب المعنى

والجواب عن الثاني وهو أن الجمع بالواو والنون في غير من يعقل كيف يجوز فنقول لما اعتقد عابدوها أنها تعقل وتميز فورد هذا اللفظ بناء على ما يعتقدونه ويتصورونه ونظيره قوله تعالى وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ( الأنبياء 33 ) وقوله وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ ( يوسف 4 ) وقوله نَمْلَة ٌ يأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ ( النمل 18 )

المسألة الثانية قوله أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ احتج أصحابنا بهذه الآية على أن العبد غير موجد ولا خالق لأفعاله قالوا لأنه تعالى طعن في إلهية الأجسام بسبب أنها لا تخلق شيئًا وهذا الطعن إنما يتم لو قلنا إن بتقدير أنها كانت خالقة لشيء لم يتوجه الطعن في إلهيتها وهذا يقتضي أن كل من كان خالقًا كان إلهًا فلو كان العبد خالقًا لأفعال نفسه كان إلهًا ولما كان ذلك باطلًا علمنا أن العبد غير خالق لأفعال نفسه

أما قوله تعالى وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا يريد أن الأصنام لا تنصر من أطاعها ولا تنتصر ممن عصاها والنصر المعونة على العدو والمعنى أن المعبود يجب أن يكون قادرًا على إيصال النفع ودفع الضرر وهذه الأصنام ليست كذلك فكيف يليق بالعاقل عبادتها

ثم قال وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ أي ولا يدفعون عن أنفسهم مكروهًا فإن من أراد كسرهم لم يقدروا على دفعه

ثم قال وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَتَّبِعُوكُمْ واعلم أنه تعالى لما أثبت بالآية المتقدمة أنه لا قدرة لهذه الأصنام على أمر من الأمور بين بهذه الآية أنه لا علم لها بشيء من الأشياء والمعنى أن هذا المعبود الذي يعبده المشركون معلوم من حاله أنه كما لا ينفع ولا يضر فكذا لا يصح فيه إذا دعى إلى الخير الأتباع ولا يفصل حال من يخاطبه ممن يسكت عنه ثم قوى هذا الكلام بقوله سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ وهذا مثل قوله سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ ( البقرة 6 ) وذكرنا ما فيه من المباحث في تلك الآية إلا أن الفرق في تلك الآية عطف الفعل على الفعل وههنا عطف الاسم على الفعل لأن قوله أَدَعَوْتُمُوهُمْ جملة فعلية وقوله أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ جملة إسمية

واعلم أنه ثبت أن عطف الجملة الإسمية على الفعلية لا يجوز إلا لفائدة وحكمة وتلك الفائدة هي أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت