يقبل دعاءك ويجيب التماسك وعند هذا أمر رسوله أن يذكر الجواب الشافي وهو قوله اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَى َّ مِن رَّبّى ومعناه ليس لي أن أقترح على ربي في أمر من الأمور وإنما أنتظر الوحي فكل شيء أكرمني به قلته وإلا فالواجب السكوت وترك الاقتراح ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحها لا يقدح في الغرض لأن ظهور القرآن على وفق دعواه معجزة بالغة باهرة فإذا ظهرت هذه المعجزة الواحدة كانت كافية في تصحيح النبوة فكان طلب الزيادة من باب التعنت فذكر في وصف القرآن ألفاظًا ثلاثة أولها قوله هَاذَا بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ أصل البصيرة الأبصار ولما كان القرآن سببًا لبصائر العقول في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أطلق عليه لفظ البصيرة تسمية للسبب باسم المسبب وثانيها قوله وَهَدَى والفرق بين هذه المرتبة وما قبلها أن الناس في معارف التوحيد والنبوة والمعاد قسمان أحدهما الذين بلغوا في هذه المعارف إلى حيث صاروا كالمشاهدين لها وهم أصحاب عين اليقين والثاني الذين ما بلغوا إلى ذلك الحد إلا أنهم وصلوا إلى درجات المستدلين وهم أصحاب علم اليقين فالقرآن في حق الأولين وهم السابقون بصائر وفي حق القسم الثاني وهم المقتصدون هدى وفي حق عامة المؤمنين رحمة ولما كانت الفرق الثلاث من المؤمنين لا جرم قال لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
وَإِذَا قُرِى ءَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
اعلم أنه تعالى لما عظم شأن القرآن بقوله هَاذَا بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ ( الأعراف 203 ) أردفه بقوله وَإِذَا قُرِىء الْقُرْءانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وفي الآية مسائل
المسألة الأولى الإنصات السكوت والاستماع يقال نصت وأنصت وانتصت بمعنى واحد
المسألة الثانية لا شك أن قوله فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ أمره وظاهر الأمر للوجوب فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجبًا وللناس فيه أقوال
القول الأول وهو قول الحسن وقول أهل الظاهر أنا نجري هذه الآية على عمومها ففي أي موضع قرأ الإنسان القرآن وجب على كل أحد استماعه والسكوت فعلى هذا القول يجب الإنصات لعابري الطريق ومعلمي الصبيان
والقول الثاني أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة قال أبو هريرة رضي الله عنه كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت هذه الآية وأمروا بالإنصات وقال قتادة كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم وكم بقي وكانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم فأنزل الله تعالى هذه الآية
والقول الثالث أن الآية نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام قال ابن عباس قرأ رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه فنزلت هذه الآية وهو قول أبي حنيفة وأصحابه