وَإِذَا قُرِىء الْقُرْءانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ خطاب مع الكفار في ابتداء التبليغ وليس خطابًا مع المسلمين وهذا قول حسن مناسب وتقريره أن الله تعالى حكى قبل هذه الآية أن أقوامًا من الكفار يطلبون آيات مخصوصة ومعجزات مخصوصة فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يأتيهم بها قالوا لولا اجتبيتها فأمر الله رسوله أن يقول جوابًا عن كلامهم إنه ليس لي أن أقترح على ربي وليس لي إلا أن أنتظر الوحي ثم بين تعالى أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إنما ترك الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها في صحة النبوة لأن القرآن معجزة تامة كافية في إثبات النبوة وعبر الله تعالى عن هذا المعنى بقوله هَاذَا بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَة ً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( الأعراف 203 ) فلو قلنا إن قوله تعالى وَإِذَا قُرِىء الْقُرْءانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ المراد منه قراءة المأموم خلف الإمام لم يحصل بين هذه الآية وبين ما قبلها تعلق بوجه من الوجوه وانقطع النظم وحصل فساد الترتيب وذلك لا يليق بكلام الله تعالى فوجب أن يكون المراد منه شيئًا آخر سوى هذا الوجه وتقريره أنه لما ادعى كون القرآن بصائر وهدى ورحمة من حيث إنه معجزة دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام وكونه كذلك لا يظهر إلا بشرط مخصوص وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا قرأ القرآن على أولئك الكفار استمعوا له وأنصتوا حتى يقفوا على فصاحته ويحيطوا بما فيه من العلوم الكثيرة فحينئذ يظهر لهم كونه معجزًا دالًا على صدق محمد ( صلى الله عليه وسلم ) فيستعينوا بهذا القرآن على طلب سائر المعجزات ويظهر لهم صدق قوله في صفة القرآن إنه بصائر وهدى ورحمة فثبت أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه استقام النظم وحصل الترتيب الحسن المفيد ولو حملنا الآية على منع المأموم من القراءة خلف الإمام فسد النظم واختل الترتيب فثبت أن حمله على ما ذكرناه أولى وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله وَإِذَا قُرِىء الْقُرْءانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ خطاب مع الكفار عند قراءة الرسول عليهم القرآن في معرض الاحتجاج بكونه معجزًا على صدق نبوته وعند هذا يسقط استدلال الخصوم بهذه الآية من كل الوجوه ومما يقوى أن حمل الآية على ما ذكرناه أولى وجوه
الوجه الأول أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم قالوا لاَ تَسْمَعُواْ لِهَاذَا الْقُرْءانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ( فصلت 26 ) فلما حكى عنهم ذلك ناسب أن يأمرهم بالاستماع والسكوت حتى يمكنهم الوقوف على ما في القرآن من الوجوه الكثيرة البالغة إلى حد الإعجاز
والوجه الثاني أنه تعالى قال قبل هذه الآية هَاذَا بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَة ً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فحكم تعالى بكون هذا القرآن رحمة للمؤمنين على سبيل القطع والجزم
ثم قال وَإِذَا قُرِىء الْقُرْءانُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ولو كان المخاطبون بقوله فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ هم المؤمنون لما قال لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لأنه جزم تعالى قبل هذه الآية بكون القرآن رحمة للمؤمنين قطعًا فكيف يقول بعده من غير فصل لعل استماع القرآن يكون رحمة للمؤمنين أما إذا قلنا إن المخاطبين بقوله فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ هم الكافرون صح حينئذ قوله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لأن المعنى فاستمعوا له وأنصتوا فلعلكم تطلعون على ما فيه من دلائل الإعجاز فتؤمنوا بالرسول فتصيروا مرحومين فثبت أنا لو حملناه على ما قلناه حسن قوله لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ولو قلنا إن الخطاب خطاب مع المؤمنين لم يحسن ذكر لفظ ( لعل ) فيه فثبت أن حمل الآية على التأويل الذي ذكرناه أولى وحينئذ يسقط