فهرس الكتاب

الصفحة 2940 من 6606

الصفات تنبيهًا على أنهم لما كانوا أفضل من المؤمنين الذين ما كانوا موصوفين بهذه الصفات فبأن لا يقاسوا إلى الكفار أولى الثالث أن يكون المراد أن المؤمن المجاهد المهاجر أفضل ممن على السقاية والعمارة والمراد منه ترجيح تلك الأعمال على هذه الأعمال ولا شك أن السقاية والعمارة من أعمال الخير وإنما بطل إيجابهما للثواب في حق الكفار لأن قيام الكفر الذي هو أعظم الجنايات يمنع ظهور ذلك الأثر

واعلم أنه تعالى لما بين أن الموصوفين بالإيمان والهجرة أعظم درجة عند الله بين تعالى أنهم هم الفائزون وهذا للحصر والمعنى أنهم هم الفائزون بالدرجة العالية الشريفة المقدسة التي وقعت الإشارة إليها بقوله تعالى عِندَ رَبّهِمْ وهي درجة العندية وذلك لأن من آمن بالله وعرفه فقل أن يبقى قلبه ملتفتًا إلى الدنيا ثم عند هذا يحتال إلى إزالة هذه العقدة عن جوهر الروح وإزالة حب الدنيا لا يتم له إلا بالتفريق بين النفس وبين لذات الدنيا فإذا دام ذلك التفريق وانتقص تعلقه بحب الدنيا فهذا التفريق والنقص يحصلان بالهجرة ثم إنه بعده لا بد من استحقار الدنيا والوقوف على معايبها وصيرورتها في عين العاقل بحيث يوجب على نفسه تركها ورفضها وذلك إنما يتم بالجهاد لأنه تعريض النفس والمال للهلاك والبوار ولولا أنه استحقر الدنيا وإلا لما فعل ذلك وعند هذا يتم ما قاله بعض المحققين وهو أن العرفان مبتدأ من تفريق ونقص وترك ورفض ثم عند حصول هذه الحالة يصير القلب مشتغلًا بالنظر إلى صفات الجلال والإكرام وفي مشاهدتها يحصل بذل النفس والمال فيصير الإنسان شهيدًا مشاهدًا لعالم الجلال مكاشفًا بنور الجلالة مشهودًا له بقوله تعالى يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَة ٍ مّنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وعند هذا يحصل الانتهاء إلى حضرة الأحد الصمد وهو المراد من قوله عِندَ رَبّهِمْ وهنا يحق الوقوف في الوصول

ثم قال تعالى يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَة ٍ مّنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ

واعلم أن هذه الإشارة اشتملت على أنواع من الدرجات العالية وأنه تعالى ابتدأ فيها بالأشرف فالأشرف نازلًا إلى الأدون فالأدون ونحن نفسرها تارة على طريق المتكلمين وأخرى على طريقة العارفين

أما الأول فنقول فالمرتبة الأولى منها وهي أعلاها وأشرفها كون تلك البشارة حاصلة من ربهم بالرحمة والرضوان وهذا هو التعظيم والإجلال من قبل الله وقوله وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ إشارة إلى حصول المنافع العظيمة وقوله فِيهَا نَعِيمٌ إشارة إلى كون المنافع خالصة عن المكدرات لأن النعيم مبالغة في النعمة ولا معنى للمبالغة في النعمة إلا خلوها عن ممازجة الكدورات وقوله مُّقِيمٌ عبارة عن كونها دائمة غير منقطعة ثم إنه تعالى عبر عن دوامها بثلاث عبارات أولها مُّقِيمٌ وثانيها قوله خَالِدِينَ فِيهَا وثالثها قوله أَبَدًا فحصل من مجموع ما ذكرنا أنه تعالى يبشر هؤلاء المؤمنين المهاجرين المجاهدين بمنفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم وذلك هو حد الثواب وفائدة تخصيص هؤلاء المؤمنين بكون هذا الثواب كامل الدرجة عالي الرتبة بحسب كل واحد من هذه القيود الأربعة ومن المتكلمين من قال قوله يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَة ٍ مّنْهُ المراد منه خيرات الدنيا وقوله وَرِضْوَانٍ لَهُمْ المراد منه كونه تعالى راضيًا عنهم حال كونهم في الحياة الدنيا وقوله وَجَنَّاتٍ المراد منه المنافع وقوله لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ المراد منه كون تلك النعم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت