فهرس الكتاب

الصفحة 2939 من 6606

اعلم أنه تعالى ذكر ترجيح الإيمان والجهاد على السقاية وعمارة المسجد الحرام على طريق الرمز ثم أتبعه بذكر هذا الترجيح على سبيل التصريح في هذه الآية فقال إن من كان موصوفًا بهذه الصفات الأربعة كان أعظم درجة عند الله ممن اتصف بالسقاية والعمارة وتلك الصفات الأربعة هي هذه فأولها الإيمان وثانيها الهجرة وثالثها الجهاد في سبيل الله بالمال ورابعها الجهاد بالنفس وإنما قلنا إن الموصوفين بهذه الصفات الأربعة في غاية الجلالة والرفعة لأن الإنسان ليس له إلا مجموع أمور ثلاثة الروح والبدن والمال أما الروح فلما زال عنه الكفر وحصل فيه الإيمان فقد وصل إلى مراتب السعادات اللائقة بها وأما البدن والمال فبسبب الهجرة وقعا في النقصان وبسبب الاشتغال بالجهاد صارا معرضين للهلاك والبطلان ولا شك أن النفس والمال محبوب الإنسان والإنسان لا يعرض عن محبوبه إلا للفوز بمحبوب أكمل من الأول فلولا أن طلب الرضوان أتم عندهم من النفس والمال وإلا لما رجحوا جانب الآخرة على جانب النفس والمال ولما رضوا بإهدار النفس والمال لطلب مرضاة الله تعالى فثبت أن عند حصول الصفات الأربعة صار الإنسان واصلًا إلى آخر درجات البشرية وأول مراتب درجات الملائكة وأي مناسبة بين هذه الدرجة وبين الأقدام على السقاية والعمارة لمجرد الاقتداء بالآباء والأسلاف ولطلب الرياسة والسمعة فثبت بهذا البرهان اليقين صحة قوله تعالى الَّذِينَ ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَة ً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ( التوبة 20 )

واعلم أنه تعالى لم يقل أعظم درجة من المشتغلين بالسقاية والعمارة لأنه لو عين ذكرهم لأوهم أن فضيلتهم إنما حصلت بالنسبة إليهم ولما ترك ذكر المرجوح دل ذلك على أنهم أفضل من كل من سواهم على الإطلاق لأنه لا يعقل حصول سعادة وفضيلة للأنسان أعلى وأكمل من هذا الصفات

واعلم أن قوله عَندَ اللَّهِ يدل على أن المراد من كون العبد عند الله الاستغراق في عبوديته وطاعته وليس المراد منه العندية بحسب الجهة والمكان وعند هذا يلوح أن الملائكة كما حصلت لهم منقبة العندية في قوله وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ( الأنبياء 19 ) فكذلك الأرواح القدسية البشرية إذا تطهرت عن دنس الأوصاف البدنية والقاذورات الجسدانية أشرقت بأنوار الجلالة وتجلى فيها أضواء عالم الكمال وترقت من العبدية إلى العندية بل كأنه لا كمال في العبدية إلا مشاهدة حقيقة العندية ولذلك قال سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا

فإن قيل لما أخبرتم أن هذه الصفات كانت بين المسلمين والكافرين فكيف قال في وصفهم أولئك أعظم درجة مع أنه ليس للكفار درجة

قلنا الجواب عنه من وجوه الأول أن هذا ورد على حسب ما كانوا يقدرون لأنفسهم من الدرجة والفضيلة عند الله ونظيره قوله قُلِ اللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ( النمل 59 ) وقوله أَذالِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَة ُ الزَّقُّومِ ( الصافات 62 ) الثاني أن يكون المراد أن أولئك أعظم درجة من كل من لم يكن موصوفًا بهذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت