فهرس الكتاب

الصفحة 2942 من 6606

واعلم أنه تعالى لما قال يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بين الشيء الذي به يبشرهم وهو أمور أولها قوله بِرَحْمَة ٍ مّنْهُ وثانيها قوله وَرِضْوَانٍ وأنا أظن والعلم عند الله أن المراد بهذين الأمرين ما ذكره في قوله ارْجِعِى إِلَى رَبّكِ رَاضِيَة ً مَّرْضِيَّة ً ( الفجر 28 ) والرحمة كون العبد راضيًا بقضاء الله وذلك لأن من حصلت له هذه الحالة كان نظره على المبلي والمنعم لا على النعمة والبلاء ومن كان نظره على المبلي والمنعم لم يتغير حاله لأن المبلي والمنعم منزه عن التغير

فالحاصل أن حاله يجب أن يكون منزهًا عن التغير أما من كان طالبًا لمحض النفس كان أبدًا في التغير من الفرح إلى الحزن ومن السرور إلى الغم ومن الصحة إلى الجراحة ومن اللذة إلى الألم فثبت أن الرحمة التامة لا تحصل إلا عند ما يصير العبد راضيًا بقضاء الله فقوله يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَة ٍ مّنْهُ هو أنه يزيل عن قلبه الالتفات إلى غير هذه الحالة ويجعله راضيًا بقضائه ثم إنه تعالى يصير راضيًا وهو قوله وَرِضْوَانٍ وعند هذا تصير هاتان الحالتان هما المذكورتان في قوله رَاضِيَة ً مَّرْضِيَّة ً وهذه هي الجنة الروحانية النورانية العقلية القدسية الإلهية ثم إنه تعالى بعد أن ذكر هذه الجنة العالية المقدسة ذكر الجنة الجسمانية وهي قوله وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وقد سبق شرح هذه المراتب ولما ذكر هذه الأحوال قال إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ والمقصود شرح تعظيم هذه الأحوال ولنختم هذا الفصل ببيان أن أصحابنا يقولون إن الخلود يدل على طول المكث ولا يدل على التأبيد واحتجوا على قولهم في هذا الباب بهذه الآية وهي قوله تعالى خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ولو كان الخلود يفيد التأبيد لكان ذكر التأبيد بعد ذكر الخلود تكرارًا وأنه لا يجوز

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوا ءَابَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ

اعلم أن المقصود من ذكر هذه الآية أن يكون جوابًا عن شبهة أخرى ذكروها في أن البراءة من الكفار غير ممكنة وتلك الشبهة إن قالوا إن الرجل المسلم قد يكون أبوه كافرًا والرجل الكافر قد يكون أبوه أو أخوه مسلمًا وحصول المقاصعة التامة بين الرجل وأبيه وأخيه كالمتعذر الممتنع وإذا كان الأمر كذلك كانت تلك البراءة التي أمر الله بها كالشاق الممتنع المتعذر فذكر الله تعالى هذه الآية ليزل هذه الشبهة ونقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال لما أمر المؤمنون بالهجرة قبل فتح مكة فمن لم يهاجر لم يقبل الله إيمانه حتى يجانب الآباء والأقارب إن كانوا كفارًا قال المصنف رضي الله عنه هذا مشكل لأن الصحيح أن هذه السورة إنما نزلت بعد فتح مكة فكيف يمكن حمل هذه الآية على ما ذكروه والأقرب عندي أن يكون محمولًا على ما ذكرته وهو أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتبري عن المشركين وبالغ في إيجابه قالوا كيف تمكن هذه المقاطعة التامة بين الرجل وبين أبيه وأمه وأخيه فذكر الله تعالى أن الانقطاع عن الآباء والأولاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت