فهرس الكتاب

الصفحة 2948 من 6606

قلنا إنه حرم بحكم الآية ثم حل بحكم الخبر فقد حصل نسخان أما إذا قلنا إنه كان حلالًا بحكم الأصل والرسول شرب من آنيتهم بحكم الأصل ثم جاء التحريم بحكم هذه الآية لم يحصل النسخ إلا مرة واحدة فوجب أن يكون هذا أولى أما قول القاضي لو كان الكافر نجس الجسم لما تبدلت النجاسة بالطهارة بسبب الإسلام فجوابه أنه قياس في معارضة النص الصريح وأيضًا أن أصحاب هذا المذهب يقولون إن الكافر إذا أسلم وجب عليه الاغتسال إزالة للنجاسة الحاصلة بحكم الكفر فهذا تقرير هذا القول وأما جمهور الفقهاء فإنهم حكموا بكون الكافر طاهرًا في جسمه ثم اختلفوا في تأويل هذه الآية على وجوه الأول قال ابن عباس وقتادة معناه أنهم لا يغتسلون من الجنابة ولا يتوضؤن من الحدث الثاني المراد أنهم بمنزلة الشيء النجس في وجوب النفرة عنه الثالث أن كفرهم الذي هو صفة لهم بمنزلة النجاسة الملتصقة بالشيء

واعلم أن كل هذه الوجوه عدول عن الظاهر بغير دليل

المسألة الرابعة قال أبو حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم أعضاء المحدث نجسة نجاسة حكمية وبنوا عليه أن الماء المستعمل في الوضوء والجنابة نجس ثم روى أبو يوسف رحمه الله تعالى أنه نجس نجاسة خفيفة وروى الحسن بن زياد أنه نجس نجاسة غليظة وروى محمد بن الحسن أن ذلك الماء طاهر

واعلم أن قوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ يدل على فساد هذا القول لأن كلمة ( إنما ) للحصر وهذا يقتضي أن لا نجس إلا المشرك فالقول بأن أعضاء المحدث نجسة مخالف لهذا النص والعجب أن هذا النص صريح في أن المشرك نجس وفي أن المؤمن ليس بنجس ثم إن قومًا ما قلبوا القضية وقالوا المشرك طاهر والمؤمن حال كونه محدثًا أو جنبًا نجس وزعموا أن المياه التي استعملها المشركون في أعضائهم بقيت طاهرة مطهرة والمياه التي يستعملها أكابر الأنبياء في أعضائهم نجسة نجاسة غليظة وهذا من العجائب ومما يؤكد القول بطهارة أعضاء المسلم قوله عليه السلام ( المؤمن لا ينجس حيًا ولا ميتًا ) فصار هذا الخبر مطابقًا للقرآن ثم الاعتبارات الحكمية طابقت القرآن والأخبار في هذا الباب لأن المسلمين أجمعوا على أن إنسانًا لو حمل محدثًا في صلاته لم تبطل صلاته ولو كانت يده رطبة فوصلت إلى يد محدث لم تنجس يده ولو عرق المحدث ووصلت تلك النداوة إلى ثوبه لم ينجس ذلك الثوب فالقرآن والخبر والإجماع تطابقت على القول بطهارة أعضاء المحدث فكيف يمكن مخالفته وشبهة المخالف أن الوضوء يسمى طهارة والطهارة لا تكون إلا بعد سبق النجاسة وهذا ضعيف لأن الطهارة قد تستعمل في إزالة الأوزار والآثام قال الله تعالى في صفة أهل البيت إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيرًا ( الأحزاب 33 ) وليست هذه الطهارة إلا عن الآثام والأوزار وقال في صفة مريم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ والمراد تطهيرها عن التهمة الفاسدة

وإذا ثبت هذا فنقول جاءت الأخبار الصحيحة في أن الوضوء تطهير الأعضاء عن الآثام والأوزار فلما فسر الشارع كون الوضوء طهارة بهذا المعنى فما الذي حملنا على مخالفته والذهاب إلى شيء يبطل القرآن والأخبار والأحكام الإجماعية

المسألة الخامسة قال الشافعي رضي الله تعالى عنه الكفار يمنعون من المسجد الحرام خاصة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت