فهرس الكتاب
وعند مالك يمنعون من كل المساجد وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يمنعون من المسجد الحرام ولا من سائر المساجد والآية بمنطوقها تبطل قول أبي حنيفة رحمه الله وبمفهومها تبطل قول مالك أو نقول الأصل عدم المنع وخالفناه في المسجد الحرام لهذا النص الصريح القاطع فوجب أن يبقى في غيره على وفق الأصل
المسألة السادسة اختلفوا في أن المراد من المسجد الحرام هل هو نفس المسجد أو المراد منه جميع الحرم والأقرب هو هذا الثاني والدليل عليه قوله تعالى وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَة ً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وذلك لأن موضع التجارات ليس هو عين المسجد فلو كان المقصود من هذه الآية المنع من المسجد خاصة لما خافوا بسبب هذا المنع من العيلة وإنما يخافون العيلة إذا منعوا من حضور الأسواق والمواسم وهذا استدلال حسن من الآية ويتأكد هذا القول بقوله سبحانه وتعالى سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الاْقْصَى ( الإسراء 1 ) مع أنهم أجمعوا على أنه إنما رفع الرسول عليه الصلاة والسلام من بيت أم هانىء وأيضًا يتأكد هذا بما روي عن الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال ( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب )
واعلم أن أصحابنا قالوا الحرم حرام على المشركين ولو كان الإمام بمكة فجاء رسول المشركين فليخرج إلى الحل لاستماع الرسالة وإن دخل مشرك الحرم متواريًا فمرض فيه أخرجناه مريضًا وإن مات ودفن ولم يعلم نبشناه وأخرجنا عظامه إذا أمكن
المسألة السابعة لا شبهة في أن المراد بقوله بَعْدَ عَامِهِمْ هَاذَا السنة التي حصل فيها النداء بالبراءة من المشركين وهي السنة التاسعة من الهجرة
ثم قال تعالى وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَة ً والعيلة الفقر يقال عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر والمعنى إن خفتم فقرًا بسبب منع الكفار فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وفيه مسألتان
المسألة الأولى ذكروا في تفسير هذا الفضل وجوهًا الأول قال مقاتل أسلم أهل جدة وصنعاء وحنين وحملوا الطعام إلى مكة وكفاهم الله الحاجة إلى مبايعة الكفار والثاني قال الحسن جعل الله ما يوجد من الجزية بدلًا من ذلك وقيل أغناهم بالفيء الثالث قال عكرمة أنزل الله عليهم المطر وكثر خيرهم
المسألة الثانية قوله فُسُوقٌ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إخبار عن غيب في المستقبل على سبيل الجزم في حادثة عظيمة وقد وقع الأمر مطابقًا لذلك الخبر فكان معجزة
ثم قال تعالى إِن شَاء ولسائل أن يسأل فيقول الغرض بهذا الخبر إزالة الخوف بالعيلة وهذا الشرط يمنع من إفادة هذا المقصود وجوابه من وجوه الأول أن لا يحصل الاعتماد على حصول هذا المطلوب فيكون الإنسان أبدًا متضرعًا إلى الله تعالى في طلب الخيرات ودفع الآفات الثاني أن المقصود من ذكر هذا الشرط تعليم رعاية الأدب كما في قوله لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ ءامِنِينَ الثالث أن المقصود التنبيه على أن حصول هذا المعنى لا يكون في كل الأوقات وفي جميع الأمور لأن إبراهيم عليه السلام قال في دعائه وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ ( البقرة 126 ) وكلمة ( من ) تفيد التبعيض فقوله تعالى في هذه الآية إِن شَاء المراد منه ذلك التبعيض