فهرس الكتاب

الصفحة 296 من 6606

المعرفة وهو محال لأن عبادة من لا يعرف ممتنعة أو يؤمر بالعبادة بعد المعرفة إلا أن على هذا التقدير يكون الأمر بالعبادة موقوفًا على الأمر بالمعرفة فلما كان الأمر بالمعرفة ممتنعًا كان الأمر بالعبادة أيضًا ممتنعًا وأيضًا يستحيل أن يكون هذا الخطاب مع المؤمنين لأنهم يعبدون الله فأمرهم بالعبادة يكون أمرًا بتحصيل الحاصل وهو محال والجواب من الناس من قال الأمر بالعبادة مشروط بحصول المعرفة كما أن الأمر بالزكاة مشروط بحصول ملك النصاب وهؤلاء هم القائلون بأن المعارف ضرورية وأما من لم يقل بذلك استدل بهذه الآية على أن المعارف ليست ضرورية فقال الأمر بالعبادة حاصل والعبادة لا تمكن إلا بالمعرفة والأمر بالشيء أمر بما هو من ضرورياته كما أن الطهارة إذا لم تصح إلا بإحضار الماء كان إحضار الماء واجبًا والدهري لا يصح منه تصديق الرسول إلا بتقديم معرفة الله تعالى فوجبت والمحدث لا تصح منه الصلاة إلا بتقديم الطهارة فوجبت والمودع لا يمكنه رد الوديعة إلا بالسعي إليها فكان السعي واجبًا فكذا ههنا يصح أن يكون الكافر مخاطبًا بالعبادة وشرط الإتيان بها الإتيان بالإيمان أولًا ثم الإتيان بالعبادة بعد ذلك بقي لهم الأمر بتحصيل المعرفة محال قلنا هذه المسألة مستقصاة في الأصول والذي نقول ههنا إن هذا الكلام وإن تم في كل ما يتوقف العلم يكون الله آمرًا على العلم به فإنه لا يجري فيما عدا ذلك من الصفات فلم لا يجوز ورود الأمر بذلك سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يقال هذا الأمر بتناول المؤمنين قوله لأنه يصير ذلك أمرًا بتحصيل الحاصل وهو محال قلنا لما تعذر ذلك فنحمله إما على الأمر بالاستمرار على العبادة أو على الأمر بالازدياد منها ومعلوم أن الزيادة على العبادة عبادة فصح تفسير قوله ( اعبدوا ) بالزيادة في العبادة البحث الخامس قال منكرو التكليف لا يجوز ورود الأمر من الله تعالى بالتكليف لوجوه أحدها أن التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء دواعيه إلى الفعل أو الترك أو حال رجحان أحدهما على الآخر فإن كان الأول فهو محال لأن في حال الاستواء يمتنع حصول الترجيح لأن الاستواء يناقض الترجيح فالجمع بينهما محال والتكليف بالفعل حال استواء الداعيين تكليف بما لا يطاق وإن كان الثاني فالراجح واجب الوقوع لأن المرجوح حال ما كان مساويًا للراجح كان ممتنع الوقوع وإلا فقد وقع الممكن لا عن مرجح وإذا كان حال الاستواء ممتنع الوقوع فبأن يصير حال المرجوحية ممتنع الوقوع أولى وإذا كان المرجوح ممتنع الوقوع كان الراجح واجب الوقوع ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين إذا ثبت هذا فالتكليف إن وقع بالراجح كان التكليف تكليفًا بإيجاد ما يجب وقوعه وإن وقع بالمرجوح كان التكليف تكليفًا بما يمتنع وقوعه وكلاهما تكليف ما لا يطاق وثانيها أن الذي ورد به التكليف إما أن يكون قد علم الله في الأزل وقوعه أو علم أنه لا يقع أو لم يعلم لا هذا ولا ذاك فإن كان الأول كان واجب الوقوع ممتنع العدم فلا فائدة في ورود الأمر به وإن علم لا وقوعه كان ممتنع الوقوع واجب العدم فكان الأمر بإيقاعه أمرًا بإيقاع الممتنع وإن لم يعلم لا هذا ولا ذاك كان ذلك قولًا بالجهل على الله تعالى وهو محال ولأن بتقدير أن يكون الأمر كذلك فإنه لا يتميز المطيع عن العاصي وحينئذٍ لا يكون في الطاعة فائدة وثالثها أن ورود الأمر بالتكاليف إما أن يكون لفائدة أو لا لفائدة فإن كان لفائدة فهي إما عائدة إلى المعبود أو إلى العابد أما إلى المعبود فمحال لأنه كامل لذاته والكامل لذاته لا يكون كاملًا بغيره ولأنا نعلم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت