فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 6606

بالضرورة أن الإله العالي على الدهر والزمان يستحيل أن ينتفع بركوع العبد وسجوده وأما إلى العابد فمحال لأن جميع الفوائد محصورة في حصول اللذة ودفع الألم وهو سبحانه وتعالى قادر على تحصيل كل ذلك للعبد ابتداء من غير توسط هذه المشاق فيكون توسطها عبثًا والعبث غير جائز على الحكيم ورابعها أن العبد غير موجد لأفعاله لأنه غير عالم بتفاصيلها ومن لا يعلم تفاصيل الشيء لا يكون موجدًا له وإذا لم يكن العبد موجدًا لأفعال نفسه فإن أمره بذلك الفعل حال ما خلقه فيه فقد أمره بتحصيل الحاصل وإن أمره به حال ما لم يخلقه فيه فقد أمره بالمحال وكل ذلك باطل وخامسها أن المقصود من التكليف إنما هو تطهير القلب على ما دلت عليه ظواهر القرآن فلو قدرنا إنسانًا مشتغل القلب دائمًا بالله تعالى وبحيث لو اشتغل بهذه الأفعال الظاهرة لصار ذلك عائقًا له عن الاستغراق في معرفة الله تعالى وجب أن يسقط عنه هذه التكاليف الظاهرة فإن الفقهاء والقياسيين قالوا إذا لاح المقصود والحكمة في التكاليف وجب اتباع الأحكام المعقولة لا اتباع الظواهر والجواب عن الشبه الثلاثة الأول من وجهين الأول أن أصحاب هذه الشبه أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم التكاليف فهذا تكليف ينفي التكليف وأنه متناقض الثاني أن عندنا يحسن من الله تعالى كل شيء سواء كان ذلك تكليف ما لا يطاق أو غيره لأنه تعالى خالق مالك والمالك لا اعتراض عليه في فعله البحث السادس قالوا الأمر بالعبادة وإن كان عامًا لكل الناس لكنه مخصوص في حق من لا يفهم كالصبي والمجنون والغافل والناسي وفي حق من لا يقدر لقوله تعالى لاَ يُكَلّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ( البقرة 233 )

ومنهم من قال إنه مخصوص في حق العبيد لأن الله تعالى أوجب عليهم طاعة مواليهم واشتغالهم بطاعة الموالي يمنعهم عن الاشتغال بالعبادة والأمر الدال على وجوب طاعة المولى أخص من الأمر الدال على وجوب العبادة والخاص يقدم على العام والكلام في هذا المعنى مذكور في أصول الفقه

المسألة السابعة قال القاضي الآية تدل على أن سبب وجود العبادة ما بينه من خلقه لنا والإنعام علينا واعلم أن أصحابنا يحتجون بهذه الآية على أن العبد لا يستحق بفعله الثواب لأنه لما كان خلقه إيانا وإنعامه علينا سببًا لوجوب العبادة فحينئذٍ يكون اشتغالنا بالعبادة أداء للواجب والإنسان لا يستحق بأداء الواجب شيئًا فوجب أن لا يستحق العبد على العبادة ثوابًا على الله تعالى أما قوله رَبَّكُمُ الَّذِى ْ خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ففيه مسائل

المسألة الأولى اعلم أنه سبحانه لما أمر بعبادة الرب أردفه بما يدل على وجود الصانع وهو خلق المكلفين وخلق من قبلهم وهذا يدل على أنه لا طريق إلى معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال وطعن قوم من الحشوية في هذه الطريقة وقالوا الاشتغال بهذا العلم بدعة ولنا في إثبات مذهبنا وجوه نقلية وعقلية وههنا ثلاث مقامات المقام الأول في بيان فضل هذا العلم وهو من وجوه أحدها أن شرف العلم بشرف المعلوم فمهما كان المعلوم أشرف كان العلم الحاصل به أشرف فلما كان أشرف المعلومات ذات الله تعالى وصفاته وجب أن يكون العلم المتعلق به أشرف العلوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت