فهرس الكتاب

الصفحة 2973 من 6606

بناء الأمر على رعاية السنة القمرية يخل بمصالح الدنيا فتركوا ذلك واعتبروا السنة الشمسية ولما كانت السنة الشمسية زائدة على السنة القمرية بمقدار معين احتاجوا إلى الكبيسة وحصل لهم بسبب تلك الكبيسة أمران أحدهما أنهم كانوا يجعلون بعض السنين ثلاثة عشر شهرًا بسبب اجتماع تلك الزيادات والثاني أنه كان ينتقل الحج من بعض الشهور القمرية إلى غيره فكان الحج يقع في بعض السنين في ذي الحجة وبعده في المحرم وبعده في صفر وهكذا في الدور حتى ينتهي بعد مدة مخصوصة مرة أخرى إلى ذي الحجة فحصل بسبب الكبيسة هذان الأمران أحدهما الزيادة في عدة الشهور والثاني تأخير الحرمة الحاصلة لشهر إلى شهر آخر وقد بينا أن لفظ النسىء يفيد التأخير عند الأكثرين ويفيد الزيادة عند الباقين وعلى التقديرين فإنه منطبق على هذين الأمرين

والحاصل من هذا الكلام أن بناء العبادات على السنة القمرية يخل مصالح الدنيا وبناؤها على السنة الشمسية يفيد رعاية مصالح الدنيا والله تعالى أمرهم من وقت إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام ببناء الأمر على رعاية السنة القمرية فهم تركوا أمر الله في رعاية السنة القمرية واعتبروا السنة الشمسية رعاية لمصالح الدنيا وأوقعوا الحج في شهر آخر سوى الأشهر الحرم فلهذا السبب عاب الله عليهم وجعله سببًا لزيادة كفرهم وإنما كان ذلك سببًا لزيادة الكفر لأن الله تعالى أمرهم بإيقاع الحج في الأشهر الحرم ثم إنهم بسبب هذه الكبيسة أوقعوه في غير هذه الأشهر وذكروا لأتباعهم أن هذا الذي عملناه هو الواجب وأن إيقاعه في الشهور القمرية غير واجب فكان هذا إنكارًا منهم لحكم الله مع العلم به وتمردًا عن طاعته وذلك يوجب الكفر بإجماع المسلمين فثبت أن عملهم في ذلك النسىء يوجب زيادة في الكفر وأما الحساب الذي به يعرف مقادير الزيادة الحاصلة بسبب تلك الكبائس فمذكور في الزيجات وأما المفسرون فإنهم ذكروا في سبب هذا التأخير وجهًا آخر فقالوا إن العرب كانت تحرم الشهور الأربعة وكان ذلك شريعة ثابتة من زمان إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام وكان العرب أصحاب حروب وغارات فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها وقالوا إن توالت ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئًا لنهلكن وكانوا يؤخرون تحريم المحرم إلى صفر فيحرمونه ويستحلون المحرم قال الواحدي وأكثر العلماء على أن هذا التأخير ما كان يختص بشهر واحد بل كان ذلك حاصلًا في كل الشهور وهذا القول عندنا هو الصحيح على ما قررناه واتفقوا أنه عليه السلام لما أراد أن يحج في سنة حجة الوداع عاد الحج إلى شهر ذي الحجة في نفس الأمر فقال عليه السلام ( ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض السنة إثنا عشر شرًا ) وأراد أن الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها

المسألة الثانية قوله تعالى زِيَادَة ٌ فِى الْكُفْرِ معناه أنه تعالى حكى عنهم أنواعًا كثيرة من الكفر فلما ضموا إليها هذا العمل ونحن قد دللنا على أن هذا العمل كفر كان ضم هذا العمل إلى تلك الأنواع المذكورة سالفًا من الكفر زيادة في الكفر احتج الجبائي بهذه الآية على فساد قول من يقول الإيمان مجرد الاعتقاد والإقرار قال لأنه تعالى بين أن هذا العمل زيادة في الكفر والزيادة على الكفر يجب أن تكون إتمامًا فكان ترك هذا التأخير إيمانًا وظاهر أن هذا الترك ليس بمعرفة ولا بإقرار فثبت أن غير المعرفة والإقرار قد يكون إيمانًا قال المصنف رضي الله عنه هذا الاستدلال ضعيف لأنا بينا أنه تعالى لما أوجب عليهم إيقاع الحج في شهر ذي الحجة مثلًا من الأشهر القمرية فإذا اعتبرنا السنة الشمسية فربما وقع الحج

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت