فهرس الكتاب

الصفحة 304 من 6606

أما المقام الثاني وهو أن النظر المفيد للعلم غير مقدور لنا فقد احتجوا عليه بوجوه أحدها أن تحصيل التصورات غير مقدور فالتصديقات البديهية غير مقدورة فجميع التصديقات غير مقدورة وإنما قلنا إن التصورات غير مقدورة لأن طالب تحصيلها إن كان عارفًا بها استحال منه طلبها لأن تحصيل الحاصل محال فإن كان غافلًا عنها استحال كونه طالبًا لها لأن الغافل عن الشيء لا يكون طالبًا له فإن قيل لم لا يجوز أن يكون معلومًا من وجه ومجهولًا من وجه قلنا لأن الوجه الذي يصدق عليه أنه معلوم غير الوجه الذي يصدق عليه أنه غير معلوم وإلا فقد صدق النفي والإثبات على الشيء الواحد وهو محال وحينئذٍ نقول الوجه المعلوم استحال طلبه لاستحالة تحصيل الحاصل والوجه الذي هو غير معلوم استحال طلبه لأن المغفول عنه لا يكون مطلوبًا وإنما قلنا إن التصورات لما كانت غير كسبية استحال كون التصديقات البديهية كسبية وذلك لأن عند حضور طرفي الموضوع والمحمول في الذهن من القضية البديهية إما أن يلزم من مجرد حضورهما جزم الذهن بإسناد أحدهما إلى الآخر بالنفي أو الإثبات أو لا يلزم فإن لم يلزم لم تكن القضية بديهية بل كانت مشكوكة وإن لزم كان التصديق واجب الحصول عند حضور ذينك التصورين وممتنع الحصول عند عدم حضورهما وما يكون واجب الدوران نفيًا وإثباتًا مع ما لا يكون مقدورًا نفيًا وإثباتًا وجب أن يكون أيضًا كذلك فثبت أن التصديقات البديهية غير كسبية وإنما قلنا إن هذه التصديقات لما لم تكن كسبية لم يكن شيء من التصديقات كسبيًا لأن التصديق الذي لا يكون بديهيًا لا بدّ وأن يكون نظريًا فلا يخلو إما أن يكون واجب اللزوم عند حضور تلك التصديقات البديهية أو لا يكون فإن لم يكن واجب اللزوم منها لم يلزم من صدق تلك المقدمات صدق ذلك المطلوب فلم يكن ذلك استدلالًا يقينيًا بل إما ظنًا أو اعتقادًا تقليديًا وإن كان واجبًا فكانت تلك النظريات واجبة الدوران نفيًا وإثباتًا مع تلك القضايا الضرورية فوجب أن لا يكون شيء من تلك النظريات مقدورًا للعبد أصلًا وثانيها أن الإنسان إنما يكون قادرًا على إدخال الشيء في الوجود لو كان يمكنه أن يميز ذلك المطلوب عن غيره والعلم إنما يتميز عن الجهل بكونه مطابقًا للمعلوم دون الجهل وإنما يعلم ذلك لو علم المعلوم على ما هو عليه فإذن لا يمكنه إيجاد العلم بذلك الشيء إلا إذا كان عالمًا بذلك الشيء لكن ذلك محال لاستحالة تحصيل الحاصل فوجب أن لا يكون العبد متمكنًا من إيجاد العلم ولا من طلبه وثالثها أن الموجب للنظر إما ضرورة العقل أو النظر أو السمع والأول باطل لأن الضروري لم يشترط العقل فيه ووجوب الفكر والنظر ليس كذلك بل كثير من العقلاء يستقبحونه ويقولون إنه في الأكثر يفضي بصاحبه إلى الجهل فوجب الاحتراز منه والثاني أيضًا باطل لأنه إذا كان العلم بوجوبه يكون نظريًا فحينئذٍ لا يمكنه العلم بوجوب النظر قبل النظر فتكليفه بذلك يكون تكليف ما لا يطاق وأما بعد النظر فلا يمكنه النظر لأنه لا فائدة فيه والثالث باطل لأنه قبل النظر لا يكون متمكنًا من معرفة وجوب النظر وبعد النظر لا يمكنه إيجابه أيضًا لعدم الفائدة وإذا بطلت الأقسم ثبت نفي الوجوب المقام الثالث وهو أن بتقدير كون النظر مفيدًا للعلم ومقدورًا للمكلف لكنه يقبح من الله أن يأمر المكلف به وبيانه من وجوه أحدها أن النظر في أكثر الأمر يفضي بصاحبه إلى الجهل فالمقدم عليه مقدم على أمر يفضي به غالبًا إلى الجهل وما يكون كذلك يكون قبيحًا فوجب أن يكون الفكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت