فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 6606

قبيحًا والله تعالى لا يأمر بالقبيح وثانيها أن الواحد منا مع ما هو عليه من النقص وضعف الخاطر وما يعتريه من الشبهات الكثيرة المتعارضة لا يجوز أن يعتمد على عقله في التمييز بين الحق والباطل فلما رأينا أرباب المذاهب كل واحد منهم يدعي أن الحق معه وأن الباطل مع خصمه ثم إذا تركوا التعصب واللجاج وأنصفوا وجدوا الكلمات متعارضة وذلك يدل على عجز العقل عن إدراك هذه الحقائق وثالثها أن مدار الدين لو كان على النظر في حقائق الدلائل لوجب أن لا يستقر الإنسان على الإيمان ساعة واحدة لأن صاحب النظر إذا خطر بباله سؤال على مقدمة من مقدمات دليل الدين فقد صار بسبب ذلك السؤال شاكًا في تلك المقدمة وإذا صار بعض مقدمات الدليل مشكوكًا فيه صارت النتيجة ظنية لأن المظنون لا يفيد اليقين فيلزم أن يخرج الإنسان في كل ساعة عن الدين بسبب كل ما يخطر بباله من الأسئلة والمباحث ورابعها أنه اشتهر في الألسنة أن من طلب المال بالكيمياء أفلس ومن طلب الدين بالكلام تزندق وذلك يدل على أنه لا يجوز فتح الباب فيه المقام الرابع أن بتقدير أنه في نفسه غير قبيح ولكنا نقيم الدلالة على أن الله ورسوله ما أمرا بذلك والذي يدل عليه أن هذه المطالب لا تخلو إما أن يكون العلم بدلائلها علمًا ضروريًا غنيًا عن التعلم والاستفادة وإما أن لا يكون كذلك بل يحتاج في تحصيلها إلى التأمل والتدبر والاستفادة والأول باطل وإلا لوجب أن يحصل ذلك لكل الناس وهو مكابرة ولأنا نجرب أذكى الناس في هذا العلم فلا يمكنه تحصيله في السنين المتطاولة بعد الاستعانة بالأستاذ والتصانيف وإن كان الثاني وجب أن لا يحصل ذلك العلم للإنسان إلا بعد الممارسة الشديدة والمباحثة الكثيرة فلو كان الدين مبنيًا عليه لوجب أن لا يحكم الرسول بصحة إسلام الرجل إلا بعد أن يسأله عن هذه المسائل ويجربه في معرفة هذه الدلائل على الاستقصاء ولو فعل الرسول ذلك لاشتهر ولما لم يشتهر بل المشهور المنقول عنه بالتواتر أنه كان يحكم بإسلام من يعلم بالضرورة أنه لم يخطر بباله شيء من ذلك علمنا أن ذلك غير معتبر في صحة الدين فإن قيل معرفة أصول الدلائل حاصلة لأكثر العقلاء إنما المحتاج إلى التدقيق دفع الأسئلة والجواب عن الشبهات وذلك غير معتبر في صحة أصل الدين قلنا هذا ضعيف لأن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان البتة وذلك لأن الدليل إذا كان مبنيًا على مقدمات عشرة فإن كان الرجل جاز ما بصحة تلك المقدمات كان عارفًا بالدليل معرفة لا يمكن الزيادة عليها لأن الزيادة عل تلك العشرة إن كان معتبرًا في تحقق ذلك الدليل بطل قولنا إن ذلك الدليل مركب من العشرة فقط وإلا لم يكن معتبرًا لم يكن العلم به علمًا بزيادة شيء في الدليل بل يكون علمًا منفصلًا فثبت بهذا أن الدليل لا يقبل الزيادة ولا يقبل النقصان أيضًا لأن تسعة منها لو كانت يقينية وكانت المقدمة العاشرة ظنية استحال كون المطلوب يقينيًا لأن المبني على الظني أولى أن يكون ظنيًا فثبت بهذا أن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان وبطل ببطلانه ذلك السؤال مثاله إذا رأى الإنسان حدوث مطر ورعد وبرق بعد أن كان الهواء صافيًا قال سبحان الله فمن الناس من قال إن قوله سبحان الله يدل على أنه عرف الله بدليله وهذا باطل لأنه إنما يكون عارفًا بالله إذا عرف بالدليل أن ذلك الحادث لا بدّ له من مؤثر ثم يعرف بالدليل أنه يستحيل أن يكون المؤثر فيه سوى الله تعالى وهذه المقدمة الثانية إنما تستقيم لو عرف بالدليل أنه يستحيل إسناد هذا الحدوث إلى الفلك والنجوم والطبيعة والعلة الموجبة فإنه لو لم يعرف بطلان ذلك بالدليل لكان معتقدًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت