فهرس الكتاب

الصفحة 3040 من 6606

والصفة الثانية التولي عن العهد

والصفة الثالثة الإعراض عن تكاليف الله وأوامره

ثم قال تعالى فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ وفيه مسائل

المسألة الأولى قوله فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فعل ولا بد من إسناده إلى شيء تقدم ذكره والذي تقدم ذكره هو الله جل ذكره والمعاهدة والتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض ولا يجوز إسناد أعقاب النفاق إلى المعاهدة أو التصدق أو الصلاح لأن هذه الثلاثة أعمال الخير فلا يجوز جعلها مؤثره في حصول النفاق ولا يجوز إسناد هذا الإعقاب إلى البخل والتولي والإعراض لأن حاصل هذه الثلاثة كونه تاركًا لأداء الواجب وذلك لا يمكن جعله مؤثرًا في حصول النفاق في القلب لأن ذلك النفاق عبارة عن الكفر وهو جهل وترك بعض الواجب لا يجوز أن يكون مؤثرًا في حصول الجهل في القلب أما أولًا فلأن ترك الواجب عدم والجهل وجود العدم لا يكون مؤثرًا في الوجود وأما ثانيًا فلأن هذا البخل والتولي والإعراض قد يوجد في حق كثير من الفساق مع أنه لا يحصل معه النفاق وأما ثالثًا فلأن هذا الترك لو أوجب حصول الكفر في القلب لأوجبه سواء كان هذا الترك جائزًا شرعًا أو كان محرمًا شرعًا لأن سبب اختلاف الأحكام الشرعية لا يخرج المؤثر عن كونه مؤثرًا وأما رابعًا فلأنه تعالى قال بعد هذه الآية بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ فلو كان فعل الأعقاب مسند إلى البخل والتولي والإعراض لصار تقدير الآية فأعقبهم بخلهم وإعراضهم وتوليهم نفاقًا في قلوبهم بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون وذلك لا يجوز لأنه فرق بين التولي وحصول النفاق في القلب بسبب التولي ومعلوم أنه كلام باطل فثبت بهذه الوجوه أنه لا يجوز إسناد هذا الإعقاب إلى شيء من الأشياء التي تقدم ذكرها إلا إلى الله سبحانه فوجب إسناده إليه فصار المعنى أنه تعالى هو الذي يعقب النفاق في قلوبهم وذلك يدل على أن خالق الكفر في القلوب هو الله تعالى وهذا هو الذي قال الزجاج إن معناه أنهم لما ضلوا في الماضي فهو تعالى أضلهم عن الدين في المستقبل والذي يؤكد القول بأن قوله فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا مسند إلى الله جل ذكره أنه قال إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ والضمير في قوله تعالى يَلْقَوْنَهُ عائد إلى الله تعالى فكان الأولى أن يكون قوله فَأَعْقَبَهُمْ مسندًا إلى الله تعالى قال القاضي المراد من قوله فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ أي فأعقبهم العقوبة على النفاق وتلك العقوبة هي حدوث الغم في قلوبهم وضيق الصدر وما ينالهم من الذل والذم ويدوم ذلك بهم إلى الآخرة قلنا هذا بعيد لأنه عدول عن الظاهر من غير حجة ولا شبهة فإن ذكر أن الدلائل العقلية دلت على أن الله تعالى لا يخلق الكفر قابلنا دلائلهم بدلائل عقلية لو وضعت على الجبال الراسيات لاندكت

المسألة الثانية قال الليث يقال أعقبت فلانًا ندامة إذا صيرت عاقبة أمره ذلك قال الهذلي أودى بني وأعقبوني حسرة

بعد الرقاد وعبرة لا تقلع

ويقاتل أكل فلان أكلة أعقبته سقمًا وأعقبه الله خيرًا وحاصل الكلام فيه أنه إذا حصل شيء عقيب شيء آخر يقال أعقبه الله

المسألة الثالثة ظاهر هذه الآية يدل على أن نقض العهد وخلف الوعد يورث النفاق فيجب على المسلم أن يبالغ في الاحتراز عنه فإذا عاهد الله في أمر فليجتهد في الوفاء به ومذهب الحسن البصري رحمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت