فهرس الكتاب

الصفحة 3047 من 6606

واعلم أنه تعالى لما بين مخازي المنافقين وسوء طريقتهم بين بعد ما عرف به الرسول أن الصلاح في أن لا يستصحبهم في غزواته لأن خروجهم معه يوجب أنواعًا من الفساد فقال فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ طَّائِفَة ٌ مّنْهُمْ أي من المنافقين فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِى َ أَبَدًا قوله فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ يريد إن ردك الله إلى المدينة ومعنى الرجع مصير الشيء إلى المكان الذي كان فيه يقال رجعته رجعًا كقولك رددته ردًا وقوله إِلَى طَائِفَة ٍ مّنْهُمْ إنما خصص لأن جميع من أقام بالمدينة ما كانوا منافقين بل كان بعضهم مخلصين معذورين وقوله فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ أي للغزو معك فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِى َ أَبَدًا إلى غزوة وهذا يجري مجرى الذم واللعن لهم ومجري إظهار نفاقهم وفضائحهم وذلك لأن ترغيب المسلمين في الجهاد أمر معلوم بالضرورة من دين محمد عليه السلام ثم إن هؤلاء إذا منعوا من الخروج إلى الغزو بعد إقدامهم على الاستئذان كان ذلك تصريحًا بكونهم خارجين عن الإسلام موصوفين بالمكر والخداع لأنه عليه السلام إنما منعهم من الخروج حذرًا من مكرهم وكيدهم وخداعهم فصار هذا المعنى من هذا الوجه جاريًا مجرى اللعن والطرد ونظيره قوله تعالى سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ( الفتح 15 ) إلى قوله قُل لَّن تَتَّبِعُونَا ثم إنه تعالى علل ذلك المنع بقوله إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّة ٍ والمراد منه القعود عن غزوة تبوك يعني أن الحاجة في المرة الأولى إلى موافقتكم كانت أشد وبعد ذلك زالت تلك الحاجة فلما تخلفتم عند مسيس الحاجة إلى حضوركم فعند ذلك لا نقبلكم ولا نلتفت إليكم وفي اللفظ بحث ذكره صاحب ( الكشاف ) وهو أن قوله مَرَّة ٍ في أَوَّلَ مَرَّة ٍ وضعت موضع المرات ثم أضيف لفظ الأول إليها وهو دال على واحدة من المرات فكان الأولى أن يقال أولى مرة

وأجاب عنه بأن أكثر اللغتين أن يقال هند أكبر النساء ولا يقال هند كبرى النساء

ثم قال تعالى فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ ذكروا في تفسير الخالف أقوالًا الأول قال الأخفش وأبو عبيدة الخالفون جمع واحدهم خالف وهو من يخلف الرجل في قومه ومعناه مع الخالفين من الرجال الذين يخلفون في البيت فلا يبرحون والثاني أن الخالفين مفسر بالمخالفين قال الفراء يقال عبد خالف وصاحب خالف إذا كان مخالفًا وقال الأخفش فلان خالفة أهل بيته إذا كان مخالفًا لهم وقال الليث هذا الرجل خالفة أي مخالف كثير الخلاف وقوم خالفون فإذا جمعت قلت الخالفون

والقول الثالث الخالف هو الفاسد قال الأصمعي يقال خلف عن كل خير يخلف خلوفًا إذا فسد وخلف اللبن وخلف النبيذ إذا فسد

وإذا عرفت هذه الوجوه الثلاثة فلا شك أن اللفظ يصلح حمله على كل واحد منها لأن أولئك المنافقين كانوا موصوفين بجميع هذه الصفات

واعلم أن هذه الآية تدل على أن الرجل إذا ظهر له من بعض متعلقيه مكر وخداع وكيد ورآه مشددًا فيه مبالغًا في تقرير موجباته فإنه يجب عليه أن يقطع العلقة بينه وبينه وأن يحترز عن مصاحبته

وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت