فهرس الكتاب
قالوا وهو منصوب لأنه مفعول له والمعنى بأن قعدوا لمخالفة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) والثاني قال الأخفش إن خِلَافٍ بمعنى خلف وأن يونس رواه عن عيسى بن عمر ومعناه بعد رسول الله ويقوي هذا الوجه قراءة من قرأ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وعلى هذا القول الخلاف اسم للجهة المعينة كالخلف والسبب فيه أن الإنسان متوجه إلى قدامه فجهة خلفه مخالفة لجهة قدامه في كونها جهة متوجهًا إليها وخلاف بمعنى خلف مستعمل أنشد أبو عبيدة للأحوص عقب الربيع خلافهم فكأنما
بسط الشواطب بينهن حصيرا
وقوله وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ والمعنى أنهم فرحوا بسبب التخلف وكرهوا الذهاب إلى الغزو
واعلم أن الفرح بالإقامة على كراهة الذهاب إلا أنه تعالى أعاده للتأكيد وأيضًا لعل المراد أنه مال طبعه إلى الإقامة لأجل إلفه تلك البلدة واستئناسه بأهله وولده وكره الخروج إلى الغزو لأنه تعريض للمال والنفس للقتل والإهدار وأيضًا مما منعهم من ذلك الخروج شدة الحر في وقت خروج رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو المراد من قوله وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِى الْحَرّ
فأجاب الله تعالى عن هذا السبب الأخير بقوله قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ أي إن بعد هذه الدار دارًا أخرى وإن بعد هذه الحياة حياة أخرى وأيضًا هذه مشقة منقضية وتلك مشقة باقية وروى صاحب ( الكشاف ) لبعضهم مسرة أحقاب تلقيت بعدها
مساءة يوم أنها شبه أنصاب
فكيف بأن تلقى مسرة ساعة
وراء تقضيها مساءة أحقاب
ثم قال تعالى فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلًا وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا وهذا وإن ورد بصيغة الأمر إلا أن معناه الإخبار بأنه ستحصل هذه الحالة والدليل عليه قوله بعد ذلك جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ومعنى الآية أنهم وإن فرحوا وضحكوا في كل عمرهم فهذا قليل لأن الدنيا بأسرها قليلة وأما حزنهم وبكاؤهم في الآخرة فكثير لأنه عقاب دائم لا ينقطع والمنقطع بالنسبة إلى الدائم قليل فلهذا المعنى قال فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلًا وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا قال الزجاج قوله جَزَاء مفعول له والمعنى وليبكوا لهذا الغرض وقوله بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ أي في الدنيا من النفاق واستدلال المعتزلة بهذه الآية على كون العبد موجدًا لأفعاله وعلى أنه تعالى لو أوصل الضرر إليهم ابتداء لا بواسطة كسبهم لكان ظالمًا مشهور وقد تقدم الرد عليهم قبل ذلك مرارًا تغني عن الإعادة
فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَآئِفَة ٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِى َ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِى َ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّة ٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ