فهرس الكتاب

الصفحة 3055 من 6606

ثم قال تعالى مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وقد اتفقوا على أنه دخل تحت قوله تعالى مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ هو أنه لا إثم عليه بسبب القعود عن الجهاد واختلفوا في أنه هل يفيد العموم في كل الوجوه فمنهم من زعم أن اللفظ مقصور على هذا المعنى لأن هذه الآية نزلت فيهم ومنهم من زعم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والمحسن هو الآتي بالإحسان ورأس أبواب الإحسان ورئيسها هو قول لا إله إلا الله وكل من قال هذه الكلمة واعتقدها كان من المسلمين وقوله تعالى مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ يقتضي نفي جميع المسلمين فهذا بعمومه يقتضي أن الأصل في حال كل مسلم براءة الذمة وعدم توجه مطالبة الغير عليه في نفسه وماله فيدل على أن الأصل في نفسه حرمة القتل إلا لدليل منفصل والأصل في ماله حرمة الأخذ إلا لدليل منفصل وأن لا يتوجه عليه شيء من التكاليف إلا لدليل منفصل فتصير هذه الآية بهذا الطريق أصلًا معتبرًا في الشريعة في تقرير أن الأصل براءة الذمة فإن ورد نص خاص يدل على وجوب حكم خاص في واقعة خاصة قضينا بذل النص الخاص تقديمًا للخاص على العام وإلا فهذا النص كاف في تقرير البراءة الأصلية ومن الناس من يحتج بهذا على نفي القياس قال لأن هذا النص دل على أن الأصل هو براءة الذمة وعدم الإلزام والتكليف فالقياس إما أن يدل على براءة الذمة أو على شغل الذمة والأول باطل لأن براءة الذمة لما ثبتت بمقتضى هذا النص كان إثباتها بالقياس عبثًا والثاني أيضًا باطل لأن على هذا التقدير يصير ذلك القياس مخصصًا لعموم هذا النص وأنه لا يجوز لما ثبت أن النص أقوى من القياس قالوا وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة معلومة ملخصة بعيدة عن الاضطراب والاختلافات التي لا نهاية لها وذلك لأن السلطان إذا بعث واحدًا من عماله إلى سياسة بلدة فقال له أيها الرجل تكليفي عليك وعلى أهل تلك المملكة كذا وكذا وعد عليهم مائة نوع من التكاليف مثلًا ثم قال وبعد هذه التكاليف ليس لأحد عليهم سبيل كان هذا تنصيصًا منه على أنه لا تكليف عليهم فيما وراء تلك الأقسام المائة المذكورة ولو أنه كلف ذلك السلطان بأن ينص على ما سوى تلك المائة بالنفي على سبيل التفصيل كان ذلك محالًا لأن باب النفي لا نهاية له بل كفاه في النفي أن يقول ليس لأحد على أحد سبيل إلا فيما ذكرت وفصلت فكذا ههنا أنه تعالى لما قال مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وهذا يقتضي أن لا يتوجه على أحد سبيل ثم إنه تعالى ذكر في القرآن ألف تكليف أو أقل أو أكثر كان ذلك تنصيصًا على أن التكاليف محصورة في ذلك الألف المذكور وأما فيما وراءه فليس لله على الخلق تكليف وأمر ونهي وبهذا الطريق تصير الشريعة مضبوطة سهلة المؤنة كثيرة المعونة ويكون القرآن وافيًا ببيان التكاليف والأحكام ويكون قوله الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ( المائدة 3 ) حقًا ويصير قوله لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ ( النحل 44 ) حقًا ولا حاجة ألبتة إلى التمسك بالقياس في حكم من الأحكام أصلًا فهذا ما يقرره أصحاب الظواهر مثل داود الأصفهاني وأصحابه في تقرير هذا الباب

واعلم أنه تعالى لما ذكر الضعفاء والمرضى والفقراء بين أنه يجوز لهم التخلف عن الجهاد بشرط أن يكونوا ناصحين لله ورسوله وبين كونهم محسنين وأنه ليس لأحد عليهم سبيل ذكر قسمًا رابعًا من المعذورين فقال وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا

فإن قيل أليس أن هؤلاء داخلون تحت قوله وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ فما الفائدة في إعادته

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت