فهرس الكتاب
في جملة الخوالف وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ يعني أن السبب في نفرتهم عن الجهاد هو أن الله طبع على قلوبهم فلأجل ذلك الطبع لا يعلمون ما في الجهاد من منافع الدين والدنيا
ثم قال يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ علة للمنع من الاعتذار لأن غرض المعتذر أن يصير عذره مقبولًا فإذا علم بأن القوم يكذبونه فيه وجب عليه تركه وقوله قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ علة لانتفاء التصديق لأنه تعالى لما أطلع رسوله على ما في ضمائرهم من الخبث والمكر والنفاق امتنع أن يصدقهم الرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الأعذار
ثم قال وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمعنى أنهم كانوا يظهرون من أنفسهم عند تقرير تلك المعاذير حبًا للرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين وشفقة عليهم ورغبة في نصرتهم فقال تعالى وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ أنكم هل تبقون بعد ذلك على هذه الحالة التي تظهرونها من الصدق والصفاء أو لا تبقون عليها
ثم قال ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة ِ
فإن قيل لماقال وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ فلم لم يقل ثم تردون إليه وما الفائدة من قوله ثُمَّ
قلنا في وصفه تعالى بكونه عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة ِ ما يدل على كونه مطلعًا على بواطنهم الخبيثة وضمائرهم المملوءة من الكذب والكيد وفيه تخويف شديد وزجر عظيم لهم
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ
اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم في الآية الأولى أنهم يعتذرون ذكر في هذه الآية أنهم كانوا يؤكدون تلك الأعذار بالإيمان الكاذبة
أما قوله سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فاعلم أن هذا الكلام يدل على أنهم حلفوا بالله ولم يدل على أنهم على أي شيء حلفوا فقيل إنهم حلفوا على أنهم ما قدروا على الخروج وإنما حلفوا على ذلك لتعرضوا عنهم أي لتصفحوا عنهم ولتعرضوا عن ذمهم
ثم قال تعالى فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد ترك الكلام والسلام قال مقاتل قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) حين قدم المدينة ( لا تجالسوهم ولا تكلموهم ) قال أهل المعاني هؤلاء طلبوا إعراض الصفح فأعطوا إعراض المقت ثم ذكر العلة في وجوب الإعراض عنهم فقال إِنَّهُمْ رِجْسٌ والمعنى أن خبث باطنهم رجس روحاني فكما يجب الاحتراز عن الأرجاس الجسمانية فوجوب الاحتراز عن