فهرس الكتاب
الأرجاس الروحانية أولى خوفًا من سريانها إلى الإنسان وحذرًا من أن يميل طبع الإنسان إلى تلك الأعمال
ثم قال تعالى وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ومعناه ظاهر ولما بين في الآية أنهم يحلفون بالله ليعرض المسلمون عن إيذائهم بين أيضًا أنهم يحلفون ليرضى المسلمون عنهم ثم إنه تعالى نهى المسلمين عن أن يرضوا عنهم فقال فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ والمعنى أنكم إن رضيتم عنهم مع أن الله لا يرضى عنهم كانت إرادتكم مخالفة لإرادة الله وأن ذلك لا يجوز وأقول إن هذه المعاني مذكورة في الآيات السالفة وقد أعادها الله ههنا مرة أخرى وأظن أن الأول خطاب مع المنافقين الذين كانوا في المدينة وهذا خطاب مع المنافقين من الأعراب وأصحاب البوادي ولما كانت طرق المنافقين متقاربة سواء كانوا من أهل الحضر أو من أهل البادية لا جرم كان الكلام معهم على مناهج متقاربة
الاٌّ عْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَمِنَ الاٌّ عْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَآئِرَة ُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
اعلم أن هذه الآية تدل على صحة ما ذكرنا من أنه تعالى إنما أعاد هذه الأحكام لأن المقصود منها مخاطبة منافقي الأعراب ولهذا السبب بين أن كفرهم ونفاقهم أشد وجهلهم بحدود ما أنزل الله أكمل وفي الآية مسائل
المسألة الأولى قال العلماء من أهل اللغة يقال رجل عربي إذا كان نسبه في العرب وجمعه العرب كما تقول مجوسي ويهودي ثم يحذف ياء النسبة في الجمع فيقال المجوس واليهود ورجل أعرابي بالألف إذا كان بدويًا يطلب مساقط الغيث والكلأ سواء كان من العرب أو من مواليهم ويجمع الأعرابي على الأعراب والأعاريب فالأعرابي إذا قيل له يا عربي فرح والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب له فمن استوطن القرى العربية فهم عرب ومن نزل البادية فهم أعراب والذي يدل على الفرق وجوه الأول أنه عليه السلام قال ( حب العرب من الإيمان ) وأما الأعراب فقد ذمهم الله في هذه الآية والثاني أنه لا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب إنما هم عرب وهم متقدمون في مراتب الدين على الأعراب قال عليه السلام ( لا تؤمن امرأة رجلًا ولا فاسق مؤمنًا ولاأعرابي مهاجرًا ) الثالث قيل إنما سمي العرب عربًا لأن أولاد إسمعيل نشأوا بعربة وهي من تهامة فنسبوا إلى بلدهم وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم لأنهم إنما تولدوا من أولاد إسمعيل وقيل سموا بالعرب لأنه ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم ولا شك أن اللسان العربي مختص بأنواع من الفصاحة والجزالة لا توجد في سائر الألسنة