فهرس الكتاب

الصفحة 3097 من 6606

اعلم أنه تعالى لما استقصى في شرح أحوال غزوة تبوك وبين أحوال المتخلفين عنها وأطال القول في ذلك على الترتيب الذي لخصناه في هذا التفسير عاد في هذه الآية إلى شرح ما بقي من أحكامها ومن بقية تلك الأحكام أنه قد صدر عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) نوع زلة جارية مجرى ترك الأولى وصدر أيضًا عن المؤمنين نوع زلة فذكر تعالى أنه تفضل عليهم وتاب عليهم في تلك الزلات فقال لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِى ّ وفي الآية مسائل

المسألة الأولى دلت الأخبار على أن هذا السفر كان شاقًا شديدًا على الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى المؤمنين على ما سيجيء شرحها وهذا يوجب الثناء فكيف يليق بها قوله لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِى ّ وَالْمُهَاجِرِينَ

والجواب من وجوه الأول أنه صدر عن النبي عليه الصلاة والسلام شيء من باب ترك الأفضل وهو المشار إليه بقوله تعالى عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ( التوبة 43 ) وأيضًا لما اشتد الزمان في هذه الغزوة على المؤمنين على ما سيجيء شرحها فربما وقع في قلبهم نوع نفرة عن تلك السفرة وربما وقع في خاطر بعضهم أنا لسنا نقدر على الفرار ولست أقول عزموا عليه بل أقول وساوس كانت تقع في قلوبهم فالله تعالى بين في آخر هذه السورة أنه بفضله عفا عنها فقال لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِى ّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالاْنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ

والوجه الثاني في الجواب أن الإنسان طول عمره لا ينفك عن زلات وهفوات إما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأفضل ثم إن النبي عليه السلام وسائر المؤمنون لما تحملوا مشاق هذا السفر ومتاعبه وصبروا على تلك الشدائد والمحن أخبر الله تعالى أن تحمل تلك الشدائد صار مكفرًا لجميع الزلات التي صدرت عنهم في طول العمر وصار قائمًا مقام التوبة المقرونة بالإخلاص عن كلها فلهذا السبب قال تعالى لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِى ّ الآية

والوجه الثالث في الجواب أن الزمان لما اشتد عليهم في ذلك السفر وكانت الوساوس تقع في قلوبهم فكلما وقعت وسوسة في قلب واحد منهم تاب إلى الله منها وتضرع إلى الله في إزالتها عن قلبه فلكثرة إقدامهم على التوبة بسبب خطرات تلك الوساوس ببالهم قال تعالى لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِى ّ الآية

والوجه الرابع لا يبعد أن يكون قد صدر عن أولئك الأقوام أنواع من المعاصي إلا أنه تعالى تاب عليهم وعفا عنهم لأجل أنهم تحملوا مشاق ذلك السفر ثم إنه تعالى ضم ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ذكرهم تنبيهًا على عظم مراتبهم في الدين وأنهم قد بلغوا إلى الدرجة التي لأجلها ضم الرسول عليه الصلاة والسلام إليهم في قبول التوبة

المسألة الثانية في المراد بساعة العسرة قولان

القول الأول أنها مختصة بغزوة تبوك والمراد منها الزمان الذي صعب الأمر عليهم جدًا في ذلك السفر والعسرة تعذر الأمر وصعوبته قال جابر حصلت عسرة الظهر وعسرة الماء وعسرة الزاد أما عسرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت