فهرس الكتاب

الصفحة 3101 من 6606

هذا الوصف في حقهم في معرض المدح والثناء ولا يكون كذلك إلا وكانوا عالمين بأنه لا ملجأ من الله إلا إليه وقال آخرون وقف أمرهم على الوحي وهم ما كانوا قاطعين أن الله ينزل الوحي ببراءتهم عن النفاق ولكنهم كانوا يجوزون أن تطول المدة في بقائهم في الشدة فالطعن عاد إلى تجويز كون تلك المدة قصيرة ولما وصفهم الله بهذه الصفات الثلاث قال ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ وفيه مسائل

المسألة الأولى اعلم أنه لا بد ههنا من إضمار والتقدير حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه تاب عليهم ثم تاب عليهم فما الفائدة في هذا التكرير

قلنا هذا التكرير حسن للتأكيد كما أن السلطان إذا أراد أن يبالغ في تقرير العفو لبعض عبيده يقول عفوت عنك ثم عفوت عنك

فإن قيل فما معنى قوله ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ

قلنا فيه وجوه الأول قال أصحابنا المقصود منه بيان أن فعل العبد مخلوق لله تعالى فقوله ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ يدل على أن التوبة فعل الله وقوله لِيَتُوبُواْ يدل على أنها فعل العبد فهذا صريح قولنا ونظيره فَلْيَضْحَكُواْ مع قوله وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وقوله كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مع قوله إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وقوله هُوَ الَّذِى يُسَيّرُكُمْ مع قوله قُلْ سِيرُواْ والثاني المراد تاب الله عليهم في الماضي ليكون ذلك داعيًا لهم إلى التوبة في المستقبل والثالث أصل التوبة الرجوع فالمراد ثم تاب عليهم ليرجعوا إلى حالهم وعادتهم في الاختلاط بالمؤمنين وزوال المباينة فتسكن نفوسهم عند ذلك الرابع ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ أي ليدوموا على التوبة ولا يراجعوا ما يبطلها الخامس ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لينتفعوا بالتوبة ويتوفر عليهم ثوابها وهذان النفعان لا يحصلان إلا بعد توبة الله عليهم

المسألة الثانية احتج أصحابنا بهذه الآية على أن قبول التوبة غير واجب على الله عقلًا قالوا لأن شرائط التوبة في حق هؤلاء قد حصلت من أول الأمر ثم إنه عليه الصلاة والسلام ما قبلهم ولم يلتفت إليهم وتركهم مدة خمسين يومًا أو أكثر ولو كان قبول التوبة واجبًا عقلًا لما جاز ذلك

أجاب الجبائي عنه بأن قال يقال إن تلك التوبة صارت مقبولة من أول الأمر لكنه يقال أراد تشديد التكليف عليهم لئلا يتجرأ أحد على التخلف عن الرسول فيما يأمر به من جهاد وغيره وأيضًا لم يكن نهيه عليه الصلاة والسلام عن كلامهم عقوبة بل كان على سبيل التشديد في التكليف قال القاضي وإنما خص الرسول عليه الصلاة والسلام هؤلاء الثلاثة بهذا التشديد لأنهم أذعنوا بالحق واعترفوا بالذنب فالذي يجري عليهم وهذه حالهم يكون في الزجر أبلغ مما يجري على من يظهر العذر من المنافقين

والجواب أنا متمسكون بظاهر قوله تعالى ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ وكلمة ثُمَّ للتراخي فمقتضى هذا اللفظ تأخير قبول التوبة فإن حملتم ذلك على تأخير إظهار هذا القبول كان ذلك عدولًا عن الظاهر من غير دليل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت