فهرس الكتاب

الصفحة 3102 من 6606

فإن قالوا الموجب لهذا العدول قوله تعالى وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ التَّوْبَة َ عَنْ عِبَادِهِ

قلنا صيغة يقبل للمستقبل وهو لا يفيد الفور أصلًا بالإجماع ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ

واعلم أن ذكر الرحيم عقيب ذكر التواب يدل على أن قبول التوبة لأجل محض الرحمة والكرم لا لأجل الوجوب وذلك يقوي قولنا في أنه لا يجب عقلًا على الله قبول التوبة

يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ

واعلم أنه تعالى لما حكم بقبول توبة هؤلاء الثلاثة ذكر ما يكون كالزاجر عن فعل ما مضى وهو التخلف عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في الجهاد فقال مّسْتَقِيمٍ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ في مخالفة أمر الرسول وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ يعني مع الرسول وأصحابه في الغزوات ولا تكونوا متخلفين عنها وجالسين مع المنافقين في البيوت وفي الآية مسائل

المسألة الأولى أنه تعالى أمر المؤمنين بالكون مع الصادقين ومتى وجب الكون مع الصادقين فلا بد من وجود الصادقين في كل وقت وذلك يمنع من إطباق الكل على الباطل ومتى امتنع إطباق الكل على الباطل وجب إذا أطبقوا على شيء أن يكونوا محقين فهذا يدل على أن إجماع الأمة حجة

فإن قيل لم لا يجوز أن يقال المراد بقوله كُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ أي كونوا على طريقة الصادقين كما أن الرجل إذا قال لولده كن مع الصالحين لا يفيد إلا ذلك سلمنا ذلك لكن نقول إن هذا الأمر كان موجودًا في زمان الرسول فقط فكان هذا أمرًا بالكون مع الرسول فلا يدل على وجود صادق في سائر الأزمنة سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون الصادق هو المعصوم الذي يمتنع خلو زمان التكليف عنه كما تقوله الشيعة

والجواب عن الأول أن قوله كُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ أمر بموافقة الصادقين ونهى عن مفارقتهم وذلك مشروط بوجود الصادقين وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فدلت هذه الآية على وجود الصادقين وقوله إنه محمول على أن يكونوا على طريقة الصادقين فنقول إنه عدول عن الظاهر من غير دليل قوله هذا الأمر مختص بزمان الرسول عليه الصلاة والسلام

قلنا هذا باطل لوجوه الأول أنه ثبت بالتواتر الظاهر من دين محمد عليه الصلاة والسلام أن التكاليف المذكورة في القرآن متوجهة على المكلفين إلى قيام القيامة فكان الأمر في هذا التكليف كذلك والثاني أن الصيغة تتناول الأوقات كلها بدليل صحة الاستثناء والثالث لما لم يكن الوقت المعين مذكورًا في لفظ الآية لم يكن حمل الآية على البعض أولى من حمله على الباقي فأما أن لا يحمل على شيء من الأوقات فيفضي إلى التعطيل وهو باطل أو على الكل وهو المطلوب والرابع وهو أن قوله الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ أمر لهم بالتقوى وهذا الأمر إنما يتناول من يصح منه أن لا يكون متقيًا وإنما يكون كذلك لو كان جائز الخطأ فكانت الآية دالة على أن من كان جائز الخطأ وجب كونه مقتديًا بمن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت