فهرس الكتاب
كان واجب العصمة وهم الذين حكم الله تعالى بكونهم صادقين فهذا يدل على أنه واجب على جائز الخطأ كونه مع المعصوم عن الخطأ حتى يكون المعصوم عن الخطأ مانعًا لجائز الخطأ عن الخطأ وهذا المعنى قائم في جميع الأزمان فوجب حصوله في كل الأزمان قوله لم لا يجوز أن يكون المراد هو كون المؤمن مع المعصوم الموجود في كل زمان
قلنا نحن نعترف بأنه لا بد من معصوم في كل زمان إلا أنا نقول ذلك المعصوم هو مجموع الأمة وأنتم تقولون ذلك المعصوم واحد منهم فنقول هذا الثاني باطل لأنه تعالى أوجب على كل واحد من المؤمنين أن يكون مع الصادقين وإنما يمكنه ذلك لو كان عالمًا بأن ذلك الصادق من هو لا الجاهل بأنه من هو فلو كان مأمورًا بالكون معه كان ذلك تكليف ما لا يطاق وأنه لا يجوز لكنا لا نعلم إنسانًا معينًا موصوفًا بوصف العصمة والعلم بأنا لا نعلم هذا الإنسان حاصل بالضرورة فثبت أن قوله وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ليس أمرًا بالكون مع شخص معين ولما بطل هذا بقي أن المراد منه الكون مع مجموع الأمة وذلك يدل على أن قول مجموع الأمة حق وصواب ولا معنى لقولنا الإجماع إلا ذلك
المسألة الثانية الآية دالة على فضل الصدق وكمال درجته والذي يؤيده من الوجوه الدالة على أن الأمر كذلك وجوه الأول روي أن واحدًا جاء إلى النبي عليه السلام وقال إني رجل أريد أن أومن بك إلا أني أحب الخمر والزنا والسرقة والكذب والناس يقولون إنك تحرم هذه الأشياء ولا طاقة لي على تركها بأسرها فإن قنعت مني بترك واحد منها آمنت بك فقال عليه السلام ( اترك الكذب ) فقبل ذلك ثم أسلم فلما خرج من عند النبي عليه السلام عرضوا عليه الخمر فقال إن شربت وسألني الرسول عن شربها وكذبت فقد نقضت العهد وإن صدقت أقام الحد علي فتركها ثم عرضوا عليه الزنا فجاء ذلك الخاطر فتركه وكذا في السرقة فعاد إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وقال ما أحسن ما فعلت لما منعتني عن الكذب انسدت أبواب المعاصي علي وتاب عن الكل الثاني روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال عليكم بالصدق فإنه يقرب إلى البر والبر يقرب إلى الجنة وإن العبد ليصدق فيكتب عند الله صديقًا وإياكم والكذب فإن الكذب يقرب إلى الفجور والفجور يقرب إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا ألا ترى أنه يقال صدقت وبررت وكذبت وفجرت الثالث قيل في قوله تعالى حكاية عن إبليس فَبِعِزَّتِكَ لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ( ص 82 83 ) إن إبليس إنما ذكر هذا الاستثناء لأنه لو لم يذكره لصار كاذبًا في ادعاء إغواء الكل فكأنه استنكف عن الكذب فذكر هذا الاستثناء وإذا كان الكذب شيئًا يستنكف منه إبليس فالمسلم أولى أن يستنكف منه الرابع من فضائل الصدق أن الإيمان منه لا من سائر الطاعات ومن معايب الكذب أن الكفر منه لا من سائر الذنوب واختلف الناس في أن المقتضي لقبحه ما هو فقال أصحابنا المقتضي بقبحه هو كونه مخلًا لمصالح العالم ومصالح النفس وقالت المعتزلة المقتضى لقبحه هو كونه كذبًا ودليلنا قوله تعالى رَّحِيمٌ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَة ٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ( الحجرات 6 ) يعني لا تقبلوا قول الفاسق فربما كان كذبًا فيتولد عن قبول ذلك الكذب فعل تصيرون نادمين عليه وذلك يدل على أنه تعالى إنما أوجب رد ما يجوز كونه كذبًا لاحتمال كونه مفضيًا إلى ما يضاد المصالح فوجب أن يكون المقتضى لقبح الكذب إفضاءه إلى المفاسد واحتج القاضي