فهرس الكتاب
على قوله بأن من دفع إلى طلب منفعة أو دفع مضرة وأمكنه الوصول إلى ذلك بأن يكذب وبأن يصدق فقد علم ببديهة العقل أنه لا يجوز أن يعدل عن الصدق إلى الكذب ولو أمكنه أن يصل إلى ذلك بصدقين لجاز أن يعدل من أحدهما إلى الآخر فلو كان الكذب يحسن لمنفعة أو إزالة مضرة لكان حاله حال الصدق ولما لم يكن كذلك علم أنه لا يكون إلا قبيحًا ولأنه لو جاز أن يحسن لوجب أن يجوز أن يأمر الله تعالى به إذا كان مصلحة وذلك يؤدي إلى أن لا يوثق بأخباره هذا ما ذكره في التفسير فيقال له في الجواب عن الأول إن الإنسان لما تقرر عنده من أول عمره تقبيح الكذب لأجل كونه مخلًا لمصالح العالم صار ذلك نصب عينه وصورة خياله فتلك الصورة النادرة إذا اتفقت للحكم عليها حكمت العادة الراسخة عليها بالقبح فلو فرضتم كون الإنسان خاليًا عن هذه العادة وفرضتم استواء الصدق والكذب في الإفضاء إلى المطلوب فعلى هذا التقدير لا نسلم حصول الترجيح ويقال له في الجواب عن الحجة الثانية إنكم تثبتون امتناع الكذب على الله تعالى بكونه قبيحًا لكونه كذبًا فلو أثبتم هذا المعنى بامتناع صدوره عن الله لزم الدور وهو باطل
مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَة ِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الاٌّ عْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذالِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَة ٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَة ً صَغِيرَة ً وَلاَ كَبِيرَة ً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
اعلم أن الله تعالى لما أمر بقوله وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ بوجوب الكون في موافقة الرسول عليه السلام في جميع الغزوات والمشاهد أكد ذلك فنهى في هذه الآية عن التخلف عنه فقال مَا كَانَ لاهْلِ الْمَدِينَة ِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ الاْعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ والأعراب الذين كانوا حول المدينة مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار هكذا قاله ابن عباس وقيل بل هذا يتناول جميع الأعراب الذين كانوا حول المدينة فإن اللفظ عام والتخصيص تحكم وعلى القولين فليس لهم أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يطلبوا لأنفسهم الحفظ والدعة حال ما يكون رسول الله في الحر والمشقة وقوله وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ يقال رغبت بنفسي عن هذا الأمر أي توقفت عنه وتركته وأنا أرغب بفلان عن هذا أي أبخل به عليه ولا أتركه والمعنى ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول عليه الصلاة والسلام لنفسه