فهرس الكتاب

الصفحة 3113 من 6606

قلنا في تلك الآية حكى عنهم أنهم ذكروا قولهم أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَاذِهِ إِيمَانًا وفي هذه الآية حكى عنهم أنهم اكتفوا بنظر بعضهم إلى بعض على سبيل الهزؤ وطلبوا الفرار

ثم قال تعالى صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون واحتج أصحابنا به على أنه تعالى صرفهم عن الإيمان وصدهم عنه وهو صحيح فيه قال ابن عباس رضي الله عنهما عن كل رشد وخير وهدى وقال الحسن صرف الله قلوبهم وطبع عليها بكفرهم وقال الزجاج أضلهم الله تعالى قالت المعتزلة لو كان تعالى هو الذي صرفهم عن الإيمان فكيف قال أَنَّى يُصْرَفُونَ وكيف عاقبهم على الانصراف عن الإيمان قال القاضي ظاهر الآية يدل على أن هذا الصرف عقوبة لهم على انصرافهم والصرف عن الإيمان لا يكون عقوبة لأنه لو كان كذلك لكان كما يجوز أن يأمر أنبياءه بإقامة الحدود يجوز أن يأمرهم بصرف الناس عن الإيمان وتجويز ذلك يؤدي أن لا يوثق بما جاء به الرسول ثم قال هذا الصرف يحتمل وجهين أحدهما أنه تعالى صرف قلوبهم بما أورثهم من الغم والكيد الثاني صرفهم عن الألطاف التي يختص بها من آمن واهتدى

والجواب أن هذه الوجوه التي ذكرها القاضي ظاهر أنها متكلفة جدًا وأما الوجه الصحيح الذي يشهد بصحته كل عقل سليم هو أن الفعل يتوقف على حصول الداعي وإلا لزم رجحان أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال وحصول ذلك الداعي ليس من العبد وإلا لزم التسلسل بل هومن الله تعالى فالعبد إنما يقدم على الكفر إذا حصل في قلبه داعي الكفر وذلك الحصول من الله تعالى وإذا حصل ذلك الداعي انصرف ذلك القلب من جانب الإيمان إلى الكفر فهذا هو المراد من صرف القلب وهو كلام مقرر ببرهان قطعي وهو منطبق على هذا النص فبلغ في الوضوح إلى أعلى الغايات ومما بقي من مباحث الآية ما نقل عن محمد بن إسحق أنه قال لا تقولوا انصرفنا من الصلاة فإن قومًا انصرفوا صرف الله قلوبهم لكن قولوا قد قضينا الصلاة وكان المقصود منه التفاؤل بترك هذه اللفظة الواردة فيما لا ينبغي والترغيب في تلك اللفظة الواردة في الخير فإنه تعالى قال فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَواة ُ فَانتَشِرُواْ فِى الاْرْضِ وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ ( الجمعة 10 )

لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ

فيه مسائل

المسألة الأولى اعلم أنه تعالى لما أمر رسوله عليه السلام أن يبلغ في هذه السورة إلى الخلق تكاليف شاقة شديدة صعبة يعسر تحملها إلا لمن خصه الله تعالى بوجوه التوفيق والكرامة ختم السورة بما يوجب سهولة تحمل تلك التكاليف وهو أن هذا الرسول منكم فكل ما يحصل له من العز والشرف في الدنيا فهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت