فهرس الكتاب
عائد إليكم وأيضًا فإنه بحال يشق عليه ضرركم وتعظم رغبته في إيصال خير الدنيا والآخرة إليكم فهو كالطبيب المشفق والأب الرحيم في حقكم والطبيب المشفق ربما أقدم على علاجات صعبة يعسر تحملها والأب الرحيم ربما أقدم على تأديبات شاقة إلا أنه لما عرف أن الطبيب حاذق وأن الأب مشفق صارت تلك المعالجات المؤلمة متحملة وصارت تلك التأديبات جارية مجرى الإحسان فكذا ههنا لما عرفتم أنه رسول حق من عند الله فاقبلوا منه هذه التكاليف الشاقة لتفوزوا بكل خير ثم قال للرسول عليه السلام فإن لم يقبلوها بل أعرضوا عنها وتولوا فاتركهم ولا تلتفت إليهم وعول على الله وارجع في جميع أمورك إلى الله فَقُلْ حَسْبِى َ اللَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( التوبة 129 ) وهذه الخاتمة لهذه السورة جاءت في غاية الحسن ونهاية الكمال
المسألة الثانية اعلم أنه تعالى وصف الرسول في هذه الآية بخمسة أنواع من الصفات
الصفة الأولى قوله مّنْ أَنفُسِكُمْ وفي تفسيره وجوه الأول يريد أنه بشر مثلكم كقوله أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مّنْهُمْ ( يونس 2 ) وقوله إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ ( فصلت 6 ) والمقصود أنه لو كان من جنس الملائكة لصعب الأمر بسببه على الناس على ما مر تقريره في سورة الأنعام والثاني مّنْ أَنفُسِكُمْ أي من العرب قال ابن عباس ليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي عليه السلام بسبب الجدات مضرها وربيعها ويمانيها فالمضريون والربيعيون هم العدنانية واليمانيون هم القحطانية ونظيره قوله تعالى لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مّنْ أَنفُسِهِمْ ( آل عمران 164 ) والمقصود منه ترغيب العرب في نصرته والقيام بخدمته كأنه قيل لهم كل ما يحصل له من الدولة والرفعة في الدنيا فهو سبب لعزكم ولفخركم لأنه منكم ومن نسبكم والثالث مّنْ أَنفُسِكُمْ خطاب لأهل الحرم وذلك لأن العرب كانوا يسمون أهل الحرم أهل الله وخاصته وكانوا يخدمونهم ويقومون بإصلاح مهماتهم فكأنه قيل للعرب كنتم قبل مقدمه مجدين مجتهدين في خدمة أسلافه وآبائه فلم تتكاسلون في خدمته مع أنه لا نسبة له في الشرف والرفعة إلى أسلافه
والقول الرابع أن المقصود من ذكر هذه الصفة التنبيه على طهارته كأنه قيل هو من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة والعفاف والصيانة وتعرفون كونه حريصًا على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم وإرسال من هذه حالته وصفته يكون من أعظم نعم الله عليكم وقرىء مّنْ أَنفُسِكُمْ أي من أشرفكم وأفضلكم وقيل هي قراءة رسول الله وفاطمة وعائشة رضي الله عنهما
الصفة الثانية قوله تعالى عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ اعلم أن العزيز هو الغالب الشديد والعزة هي الغلبة والشدة فإذا وصلت مشقة إلى الإنسان عرف أنه كان عاجزًا عن دفعها إذ لو قدر على دفعها لما قصر في ذلك الدفع فحيث لم يدفعها علم أنه كان عاجزًا عن دفعها وأنها كانت غالبة على الإنسان فلهذا السبب إذا اشتد على الإنسان شيء قال عز علي هذا وأما العنت فيقال عنت الرجل يعنت عنتًا إذا وقع في مشقة وشدة لا يمكنه الخروج منها ومنه قوله تعالى ذَلِكَ لِمَنْ خَشِى َ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ( النساء 25 ) وقوله وَلَوْ شَاء اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ ( البقرة 220 ) وقال الفراء مَا في قوله مَا عَنِتُّمْ في موضع رفع والمعنى عزيز عليه عنتكم أي يشق عليه مكروهكم وأولى المكاره بالدفع مكروه عقاب الله تعالى وهو إنما أرسل ليدفع هذا المكروه