فهرس الكتاب

الصفحة 3115 من 6606

والصفة الثالثة قوله حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ والحرص يمتنع أن يكون متعلقًا بذواتهم بل المراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدنيا والآخرة

واعلم أن على هذا التقدير يكون قوله عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ معناه شديدة معزته عن وصول شيء من آفات الدنيا والآخرة إليكم وبهذا التقدير لا يحصل التكرار قال الفراء الحريص الشحيح ومعناه أنه شحيح عليكم أن تدخلوا النار وهذا بعيد لأنه يوجب الخلو عن الفائدة

والصفة الرابعة والخامسة قوله بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ قال ابن عباس رضي الله عنهما سماه الله تعالى باسمين من أسمائه بقي ههنا سؤالان

السؤال الأول كيف يكون كذلك وقد كلفهم في هذه السورة بأنواع من التكاليف الشاقة التي لا يقدر على تحملها إلا الموفق من عند الله تعالى

قلنا قد ضربنا لهذا المعنى مثل الطبيب الحاذق والأب المشفق والمعنى أنه إنما فعل بهم ذلك ليتخلصوا من العقاب المؤبد ويفوزوا بالثواب المؤبد

السؤال الثاني لما قال عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ فهذا النسق يوجب أن يقال رؤوف رحيم بالمؤمنين فلم ترك هذا النسق وقال بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ

الجواب أن قوله بِالْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ يفيد الحصر بمعنى أنه لا رأفة ولا رحمة له إلا بالمؤمنين فأما الكافرون فليس له عليهم رأفة ورحمة وهذا كالمتمم لقدر ما ورد في هذه السورة من التغليظ كأنه يقول إني وإن بالغت في هذه السورة في التغليظ إلا أن ذلك التغليط على الكافرين والمنافقين وأما رحمتي ورأفتي فمخصوصة بالمؤمنين فقط فلهذه الدقيقة عدل على ذلك النسق

فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِى َ اللَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ

أما قوله فَإِن تَوَلَّوْاْ يريد المشركين والمنافقين ثم قيل تَوَلَّوْاْ أي أعرضوا عنك وقيل تولوا عن طاعة الله تعالى وتصديق الرسول عليه الصلاة والسلام وقيل تولوا عن قبول التكاليف الشاقة المذكورة في هذه السورة وقيل تولوا عن نصرتك في الجهاد واعلم أن المقصود من هذه الآية بيان أن الكفار لو أعرضوا ولم يقبلوا هذه التكاليف لم يدخل في قلب الرسول حزن ولا أسف لأن الله حسبه وكافيه في نصره على الأعداء وفي إيصاله إلى مقامات الآلاء والنعماء لاَ إله إِلاَّ هُوَ وإذا كان لا إله إلا هو وجب أن يكون لا مبدىء لشيء من الممكنات ولا محدث لشيء من المحدثات إلا هو وإذا كان هو الذي أرسلني بهذه الرسالة وأمرني بهذا التبليغ كانت النصرة عليه والمعونة مرتقبة منه

ثم قال عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو يفيد الحصر أي لا أتوكل إلا عليه وهو رب العرش العظيم والسبب في تخصيصه بالذكر أنه كلما كانت الآثار أعظم وأكرم كان ظهور جلالة المؤثر في العقل والخاطر أعظم ولما كان أعظم الأجسام هو العرض كان المقصود من ذكره تعظيم جلال الله سبحانه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت