فهرس الكتاب

الصفحة 3317 من 6606

من الدم فالإنسان مخلوق من الدم والدم إنما تولد من الأغذية وهذه الأغذية إما حيوانية وإما نباتية والحيوانات حالها كحال الإنسان فوجب انتهاء الكل إلى النبات وظاهر أن تولد النبات من الأرض فثبت أنه تعالى أنشأنا من الأرض

والوجه الثاني أن تكون كلمة مِنْ معناها في التقدير أنشأكم في الأرض وهذا ضعيف لأنه متى أمكن حمل الكلام على ظاهره فلا حاجة إلى صرفه عنه وأما تقرير أن تولد الإنسان من الأرض كيف يدل على وجود الصانع فقد شرحناه مرارًا كثيرة

الدليل الثاني قوله وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا وفيه ثلاثة أوجه الأول جعلكم عمارها قالوا كان ملوك فارس قد أكثروا في حفر الأنهار وغرس الأشجار لا جرم حصلت لهم الأعمار الطويلة فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه ما سبب تلك الأعمار فأوحى الله تعالى إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي وأخذ معاوية في إحياء أرض في آخر عمره فقيل له ما حملك عليه فقال ما حملني عليه إلا قول القائل ليس الفتى بفتى لا يستضاء به

ولا يكون له في الأرض آثار

الثاني أنه تعالى أطال أعماركم فيها واشتقاق وَاسْتَعْمَرَكُمْ من العمر مثل استبقاكم من البقاء والثالث أنه مأخوذ من العمرى أي جعلها لكم طول أعماركم فإذا متم انتقلت إلى غيركم

واعلم أن في كون الأرض قابلة للعمارات النافعة للإنسان وكون الإنسان قادرًا عليها دلالة عظيمة على وجود الصانع ويرجع حاصله إلى ما ذكره الله تعالى في آية أخرى وهي قوله وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى ( الأعلى 3 ) وذلك لأن حدوث الإنسان مع أنه حصل في ذاته العقل الهادي والقدرة على التصرفات الموافقة يدل على وجود الصانع الحكيم وكون الأرض موصوفة بصفات مطابقة للمصالح موافقة للمنافع يدل أيضًا على وجود الصانع الحكيم

أما قوله فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ فقد تقدم تفسيره

وأما قوله إِنَّ رَبّى قَرِيبٌ مُّجِيبٌ يعني أنه قريب بالعلم والسمع مُّجِيبٌ دعاء المحتاجين بفضله ورحمته ثم بين تعالى أن صالحًا عليه السلام لما قرر هذه الدلائل قَالُواْ يأَبَانَا صَالِحٌ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّا قَبْلَ هَاذَا وفيه وجوه الأول أنه لما كان رجلًا قوي العقل قوي الخاطر وكان من قبيلتهم قوي رجاؤهم في أن ينصر دينهم ويقوي مذهبهم ويقرر طريقتهم لأنه متى حدث رجل فاضل في قوم طمعوا فيه من هذا الوجه الثاني قال بعضهم المراد أنك كنت تعطف على فقرائنا وتعين ضعفاءنا وتعود مرضانا فقوي رجاؤنا فيك أنك من الأنصار والأحباب فكيف أظهرت العداوة والبغضة ثم إنهم أضافوا إلى هذا الكلام التعجب الشديد من قوله فَقَالُواْ قَالُواْ ياصَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّا والمقصود من هذا الكلام التمسك بطريق التقليد ووجوب متابعة الآباء والأسلاف ونظير هذا التعجب ما حكاه الله تعالى عن كفار مكة حيث قالوا أَجَعَلَ الاْلِهَة َ إِلَهًا واحِدًا إِنَّ هَاذَا لَشَى ْء عُجَابٌ ( ص 5 ) ثم قالوا وَإِنَّنَا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ والشك هو أن يبقى الإنسان متوقفًا بين النفي والإثبات والمريب هو الذي يظن به السوء فقوله وَإِنَّنَا لَفِى شَكّ يعني به أنه لم يترجح في اعتقادهم صحة قوله وقوله مُرِيبٍ يعني أنه ترجح في اعتقادهم فساد قوله وهذا مبالغة في تزييف كلامه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت