فهرس الكتاب

الصفحة 3441 من 6606

يكون تأثيره بحسب هذه الكيفيات المحسوسة أعني الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة بل قد يكون التأثير نفسانيًا محضًا ولا يكون للقوى الجسمانية بها تعلق والذي يدل عليه أن اللوح الذي يكون قليل العرض إذا كان موضوعًا على الأرض قدر الإنسان على المشي عليه ولو كان موضوعًا فيما بين جدارين عاليين لعجز الإنسان على المشي عليه وما ذاك إلا لأن خوفه من السقوط منه يوجب سقوطه فعلمنا أن التأثيرات النفسانية موجودة وأيضًا أن الإنسان إذا تصور كون فلان مؤذيًا له حصل في قلبه غضب ويسخن مزاجه جدًا فمبدأ تلك السخونة ليس إلا ذلك التصور النفساني ولأن مبدأ الحركات البدنية ليس إلا التصورات النفسانية فلما ثبت أن تصور النفس يوجب تغير بدنه الخاص لم يبعد أيضًا أن يكون بعض النفوس بحيث تتعدى تأثيراتها إلى سائر الأبدان فثبت أنه لا يمتنع في العقل كون النفس مؤثرة في سائر الأبدان وأيضًا جواهر النفوس المختلفة بالماهية فلا يمتنع أن يكون بعض النفوس بحيث يؤثر في تغيير بدن حيوان آخر بشرط أن يراه ويتعجب منه فثبت أن هذا المعنى أمر محتمل والتجارب من الزمن الأقدم ساعدت عليه والنفوس النبوية نطقت به فعنده لا يبقى في وقوعه شك

وإذا ثبت هذا ثبت أن الذي أطبق عليه المتقدمون من المفسرين في تفسير هذه الآية بإصابة العين كلام حق لا يمكن رده

القول الثاني وهو قول أبي علي الجبائي أن أبناء يعقوب اشتهروا بمصر وتحدث الناس بهم وبحسهم وكمالهم فقال لاَ تَدْخُلُواْ تلك المدينة مِن بَابٍ وَاحِدٍ على ما أنتم عليه من العدد والهيئة فلم يأمن عليهم حسد الناس أو يقال لم يأمن عليهم أن يخافهم الملك الأعظم على ملكه فيحبسهم واعلم أن هذا الوجه محتمل لا إنكار فيه إلا أن القول الأول قد بينا أنه لا امتناع فيه بحسب العقل والمفسرون أطبقوا عليه فوجب المصير إليه ونقل عن الحسن أنه قال خاف عليهم العين فقال لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ ثم رجع إلى علمه وقال وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ اللَّهِ مِن شَى ْء وعرف أن العين ليست بشيء وكان قتادة يفسر الآية بإصابة العين ويقول ليس في قوله وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ اللَّهِ مِن شَى ْء إبطال له لأن العين وإن صح فالله قادر على دفع أثره

القول الثالث أنه عليه السلام كان عالمًا بأن ملك مصر هو ولده يوسف إلا أن الله تعالى ما أذن له في إظهار ذلك فلما بعث أبناءه إليه قال لا تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَة ٍ وكان غرضه أن يصل بنيامين إلى يوسف في وقت الخلوة وهذا قول إبراهيم النخعي فأما قوله وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ اللَّهِ مِن شَى ْء فاعلم أن الإنسان مأمور بأن يراعي الأسباب المعتبرة في هذا العالم ومأمور أيضًا بأن يعتقد ويجزم بأنه لا يصل إليه إلا ما قدره الله تعالى وأن الحذر لا ينجي من القدر فإن الإنسان مأمور بأن يحذر عن الأشياء المهلكة والأغذية الضارة ويسعى في تحصيل المنافع ودفع المضار بقدر الإمكان ثم إنه مع ذلك ينبغي أن يكون جازمًا بأنه لا يصل إليه إلا ما قدره الله ولا يحصل في الوجود إلا ما أراده الله فقوله عليه السلام لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَة ٍ فهو إشارة إلى رعاية الأسباب المعتبرة في هذا العالم وقوله وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ اللَّهِ مِن شَى ْء إشارة إلى عدم الالتفات إلى الأسباب وإلى التوحيد المحض والبراءة عن كل شيء سوء الله تعالى وقول القائل كيف السبيل إلى الجمع بين هذين القولين فهذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت