فهرس الكتاب

الصفحة 3442 من 6606

السؤال غير مختص به وذلك لأنه لا نزاع في أنه لا بد من إقامة الطاعات والاحتراز عن المعاصي والسيئات مع أنا نعتقد أن السعيد من سعد في بطن أمه وأن الشقي من شقي في بطن أمه فكذا ههنا نأكل ونشرب ونحترز عن السموم وعن الدخول في النار مع أن الموت والحياة لا يحصلان إلا بتقدير الله تعالى فكذا ههنا فظهر أن هذا السؤال غير مختص بهذا المقام بل هو بحث عن سر مسألة الجبر والقدر بل الحق أن العبد يجب عليه أن يسعى بأقصى الجهد والقدرة وبعد ذلك السعي البليغ والجد الجهيد فإنه يعلم أن كل ما يدخل في الوجود فلا بد وأن يكون بقضاء الله تعالى ومشيئته وسابق حكمه وحكمته ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى فقال إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ

واعلم أن هذا من أدل الدلائل على صحة قولنا في القضاء والقدر وذلك لأن الحكم عبارة عن الإلزام والمنع من النقيض وسميت حكمة الدابة بهذا الاسم لأنها تمنع الدابة عن الحركات الفاسدة والحكم إنما سمي حكمًا لأنه يقتضي ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بحيث يصير الطرف الآخر ممتنع الحصول فبين تعالى أن الحكم بهذا التفسير ليس إلا لله سبحانه وتعالى وذلك يدل على أن جميع الممكنات مستندة إلى قضائه وقدره ومشيئته وحكمه إما بغير واسطة وإما بواسطة ثم قال عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكّلُونَ ومعناه أنه لما ثبت أن الكل من الله ثبت أنه لا توكل إلا على الله وأن الرغبة ليست إلا في رجحان وجود الممكنات على عدمها وذلك الرجحان المانع عن النقيض هو الحكم وثبت بالبرهان أنه لا حكم إلا لله فلزم القطع بأن حصول كل الخيرات ودفع كل الآفات من الله ويوجب أنه لا توكل إلا على الله فهذا مقام شريف عال ونحن قد أشرنا إلى ما هو البرهان الحق فيه والشيخ أبو حامد الغزالي رحمه الله أطنب في تقرير هذا المعنى في كتاب التوكل من كتاب ( إحياء علوم الدين ) فمن أراد الاستقصاء فيه فليطالع ذلك الكتاب

وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُمْ مِّنَ اللَّهِ مِن شَى ْءٍ إِلاَّ حَاجَة ً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ

قال المفسرون لما قال يعقوب وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ اللَّهِ مِن شَى ْء ( يوسف 67 ) صدقه الله في ذلك فقال وما كان ذلك التفرق يغني من الله من شيء وفيه بحثان

البحث الأول قال ابن عباس رضي الله عنهما ذلك التفرق ما كان يرد قضاء الله ولا أمرًا قدره الله وقال الزجاج إن العين لو قدر أن تصيبهم لأصابتهم وهم متفرقون كما تصيبهم وهم مجتمعون وقال ابن الأنباري لو سبق في علم الله أن العين تهلكهم عند الاجتماع لكان تفرقهم كاجتماعهم وهذه الكلمات متقاربة وحاصلها أن الحذر لا يدفع القدر

البحث الثاني قوله مِن شَى ْء يحتمل النصب بالمفعولية والرفع بالفاعلية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت