فهرس الكتاب
فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المراد لذو مغفرة لأهل الصغائر لأجل أن عقوبتهم مكفرة ثم نقول لم لا يجوز أن يكون المراد إن ربك لذو مغفرة إذا تابوا وأنه تعالى إنما لا يعجل العقاب إمهالًا لهم في الإتيان بالتوبة فإن تابوا فهو ذو مغفرة لهم ويكون من هذه المغفرة تأخير العقاب إلى الآخرة بل نقول يجب حمل اللفظ عليه لأن القوم لما طلبوا تعجيل العقاب فالجواب المذكور فيه يجب أن يكون محمولًا على تأخير العقاب حتى ينطبق الجواب على السؤال ثم نقول لم لا يجوز أن يكون المراد وإن ربك لذو مغفرة أنه تعالى إنما لا يعجل العقوبة إمهالًا لهم في الإتيان بالتوبة فإن تابوا فهو ذو مغفرة وإن عظم ظلمهم ولم يتوبوا فهو شديد العقاب
والجواب عن الأول أن تأخير العقاب لا يسمى مغفرة وإلا لوجب أن يقال الكفار كلهم مغفور لهم لأجل أن الله تعالى أخر عقابهم إلى الآخرة وعن الثاني أنه تعالى تمدح بهذا والتمدح إنما يحصل بالتفضل أما بأداء الواجب فلا تمدح فيه وعندكم يجب غفران الصغائر وعن الثالث أنا بينا أن ظاهر الآية يقتضي حصول المغفرة حال الظلم وبينا أن حال حصول الظلم يمنع حصول التوبة فسقطت هذه الأسئلة وصح ما ذكرناه
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَة ٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ
اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في الحشر والنشر أولًا ثم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في صحة ما ينذرهم به من نزول عذاب الاستئصال ثانيًا ثم طعنوا في نبوته بأن طلبوا منه المعجزة والبينة ثالثًا وهو المذكور في هذه الآية
واعلم أن السبب فيه أنهم أنكروا كون القرآن من جنس المعجزات وقالوا هذا كتاب مثل سائر الكتب وإتيان الإنسان بتصنيف معين وكتاب معين لا يكون معجزة ألبتة وإنما المعجز ما يكون مثل معجزات موسى وعيسى عليهما السلام
واعلم أن من الناس من زعم أنه لم يظهر معجز في صدق محمد عليه الصلاة والسلام سوى القرآن قالوا إن هذا الكلام إنما يصح إذا طعنوا في كون القرآن معجزًا مع أنه ما ظهر عليه نوع آخر من المعجزات لأن بتقدير أن يكون قد ظهر على يده نوع آخر من المعجزات لامتنع أن يقولوا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَة ٌ مّن رَّبّهِ فهذا يدل على أنه عليه السلام ما كان له معجز سوى القرآن
واعلم أن الجواب عنه من وجهين الأول لعل المراد منه طلب معجزات سوى المعجزات التي شاهدوا منه ( صلى الله عليه وسلم ) كحنين الجذع ونبوع الماء من بين أصابعه وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل فطلبوا منه معجزات قاهرة غير هذه الأمور مثل فلق البحر بالعصا وقلب العصا ثعبانًا
فإن قيل فما السبب في أن الله تعالى منعهم وما أعطاهم
قلنا إنه لما أظهر المعجزة الواحدة فقد تم الغرض فيكون طلب الباقي تحكمًا وظهور القرآن معجزة