فهرس الكتاب

الصفحة 3501 من 6606

فما كان مع ذلك حاجة إلى سائر المعجزات وأيضًا فلعله تعالى علم أنهم يصرون على العناد بعد ظهور تلك المعجزات الملتمسة وكانوا يصيرون حينئذ مستوجبين لعذاب الاستئصال فلهذا السبب ما أعطاهم الله تعالى مطلوبهم وقد بين الله تعالى ذلك بقوله وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ( الأنفال 23 ) بين أنه لم يعطهم مطلوبهم لعلمه تعالى أنهم لا ينتفعون به وأيضًا ففتح هذا الباب يفضي إلى ما لا نهاية له وهو أنه كلما أتى بمعجزة جاء واحد آخر فطلب منه معجزة أخرى وذلك يوجب سقوط دعوة الأنبياء عليهم السلام وأنه باطل

الوجه الثاني وفي الجواب لعل الكفار ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات ثم إنه تعالى لما حكى عن الكفار ذلك قال إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ وفيه مسائل

المسألة الأولى اتفق القراء على التنوين في قوله هَادٍ وحذف الياء في الوصل واختلفوا في الوقف فقرأ ابن كثير بالوقف على الياء والباقون بغير الياء وهو رواية ابن فليح عن ابن كثير للتخفيف

المسألة الثانية في تفسير هذه الآية وجوه الأول المراد أن الرسول عليه السلام منذر لقومه مبين لهم ولكل قوم من قبله هاد ومنذر وداع وأنه تعالى سوى بين الكل في إظهار المعجزة إلا أنه كان لكل قوم طريق مخصوص لأجله استحق التخصيص بتلك المعجزة المخصوصة فلما كان الغالب في زمان موسى عليه السلام هو السحر جعل معجزته ما هو أقرب إلى طريقتهم ولما كان الغالب في أيام عيسى عليه السلام الطب جعل معجزته ما كان من جنس تلك الطريقة وهو إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ولما كان الغالب في أيام الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) الفصاحة والبلاغة جعل معجزته ما كان لائقًا بذلك الزمان وهو فصاحة القرآن فلما كان العرب لم يؤمنوا بهذه المعجزة مع كونها أليق بطباعهم فبأن لا يؤمنوا عند إظهار سائر المعجزات أولى فهذا هو الذي قرره القاضي وهو الوجه الصحيح الذي يبقى الكلام معه منتظمًا

والوجه الثاني وهو أن المعنى أنهم لا يجحدون كون القرآن معجزًا فلا يضيق قلبك بسببه إنما أنت منذر فما عليك إلا أن تنذر إلى أن يحصل الإيمان في صدورهم ولست بقادر عليهم ولكل قوم هاد قادر على هدايتهم بالتخليق وهو الله سبحانه وتعالى فيكون المعنى ليس لك إلا الإنذار وأما الهداية فمن الله تعالى

واعلم أن أهل الظاهر من المفسرين ذكروا ههنا أقوالًا الأول المنذر والهادي شيء واحد والتقدير إنما أنت منذر ولكل قوم منذر على حدة ومعجزة كل واحد منهم غير معجزة الآخر الثاني المنذر محمد ( صلى الله عليه وسلم ) والهادي هو الله تعالى روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك والثالث المنذر النبي والهادي علي قال ابن عباس رضي الله عنهما وضع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يده على صدره فقال ( أنا المنذر ) ثم أومأ إلى منكب علي رضي الله عنه وقال ( أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي )

اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الاٌّ رْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَى ْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَة ِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت